نظرة في الفكر الأبيقوري: دراسة وتحليل

تقديم عن المدرسة الأبيقورية

تُعتبر المدرسة الأبيقورية إحدى المدارس الفلسفية الهامة التي ظهرت في اليونان القديمة، تحديدًا في الفترة ما بعد أرسطو. تأسست هذه المدرسة على يد الفيلسوف المعروف أبيقور، واكتسبت اسمها منه. كانت الأبيقورية من أبرز المنافسين للمدرسة الرواقية، وتميزت بتركيزها العميق على دراسة الطبيعة البشرية.

وضع الأبيقوريون أسسًا لنظرية المعرفة، مؤكدين على الدور المحوري للحواس في اكتساب المعرفة. اعتقدوا أن الحقيقة تكمن في الأشياء التي يمكن إدراكها عن طريق الحواس، والتي أطلقوا عليها “الأشياء الجزئية”. وبناءً على ذلك، رأوا أن الأفكار العقلية ليست سوى نتيجة للإدراكات الحسية، وأن الصور العقلية ما هي إلا انعكاس لهذه الإدراكات. وبالتالي، يصبح الإدراك الحسي هو المعيار الأساسي في نظرية المعرفة الأبيقورية.

من الناحية العملية، اهتم الفلاسفة الأبيقوريون بشكل خاص بمفهومي اللذة والألم، ودرسوا بعمق إشكالية السعادة في الفلسفة. وقد استفاد الفلاسفة اللاحقون من النتائج التي توصلوا إليها في هذا المجال.

أبيقور الساموسي: المؤسس والرائد

أبيقور الساموسي هو فيلسوف يوناني بارز، وُلد في عام 341 قبل الميلاد في مدينة ساموس. انتقل فيما بعد إلى أثينا عندما بلغ سن الرشد. قام بتأسيس مدرسة “Mitylenes” التي تميزت بانفتاحها على جميع شرائح المجتمع، حيث ضمت طلابًا من النساء والعبيد، وهو أمر كان غير معتاد في ذلك الوقت. ففي الفلسفة اليونانية السائدة، كان يُنظر إلى النساء والعبيد على أنهم أقل شأنًا، وكانت دراسة الفلسفة مقتصرة على الرجال.

كان أبيقور يتمتع بشخصية محبوبة، واشتهر بمراسلاته مع الفلاسفة خارج أثينا لتبادل الآراء الفلسفية والنظرية. كان أيضًا غزير الإنتاج في التأليف والكتابة، إلا أن معظم أعماله قد فُقدت ولم يتبق منها سوى القليل. يُقال أن مؤلفاته بلغت حوالي ثلاثمائة مجلد، ومن أهمها كتابه “في الطبيعة” الذي يقع في سبعة وثلاثين مجلدًا. كما كان لديه نظرية في المعرفة ضمنها في كتابه “القانون”.

يُعتبر أبيقور من فلاسفة المدرسة المادية، التي ترى أنه لا وجود لأي شيء غير المادة، وأن الروح تتكون من ذرات. تعود جذور هذه الآراء إلى الفلسفة اليونانية الطبيعية، حيث تم تدشين المذهب الذري في أثينا على يد “ديموقريطس”. إلا أن الذرات التي تشكل الكون تختلف عند أبيقور من حيث الشكل والوزن. ويرى أبيقور أن ما يحدث للنفس عند الموت هو افتراق ذراتها.

كان لأبيقور وصية للتخلص من قلق التفكير في الموت، فذكر أن الموت ليس موجودًا ما دمنا أحياء، وعندما يأتي فلن نكون أحياء لنشعر به فالموت والحياة ضدان، لذلك قال في هذا الصدد:

والأسى قبل فرقة الروح عجز:::والأسى لا يكون بعد الفراق

دراسة في أخلاقيات الفلاسفة الأبيقوريين

ارتكزت فلسفة الأخلاق عند الأبيقوريين على ثلاثة محاور رئيسية، وهي الموت والإله والحياة الآخرة. تميز المنظور الأبيقوري بأنه مادي بحت. كان الهدف الأسمى هو تحقيق الأتراكسيا، وهي حالة من الطمأنينة والسكينة لا تتحقق إلا بالتخلص من مخاوف الإنسان، سواء كانت جسدية أو نفسية. لذلك، أقرت الأبيقورية بأن الآلهة مستقلة عن العالم البشري ولا تتدخل فيه.

لتحقيق هذه الغاية، كان على الإنسان أن يسعى إلى تحقيق اللذة وتجنب الألم. ولكن اللذة التي قصدها الأبيقوريون لم تكن مجرد إشباع للشهوات الحسية، بل كانت حالة من السلام الداخلي والرضا بالقليل. فكانوا يرون أن السعادة الحقيقية تكمن في البساطة والاكتفاء، وفي التخلص من كل ما يعكر صفو النفس ويزعجها.

كما أكدوا على أهمية العقل في توجيه الإنسان نحو الخير والسعادة. فالعقل هو الذي يميز بين اللذات الحقيقية واللذات الوهمية، وهو الذي يساعد الإنسان على اتخاذ القرارات الصائبة التي تؤدي إلى تحقيق الأتراكسيا.

المصادر والمراجع

  • كي نجيب محمود وأحمد أمين ،قصة الفلسفة اليونانية، صفحة 297-305. بتصرّف.
  • “Epicurus”,Stanford, Retrieved 6/2/2022. Edited.
  • هناء سيد عبدالعزيز ،أثر الفكر الديني في مفهوم الأنراكسيا عند الأبيقورية والرواقية، صفحة 459. بتصرّف.
Exit mobile version