مسيرة تدوين القرآن الكريم

مقدمة

أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو آخر الكتب السماوية. وقد ضمن الله عز وجل حفظه من التحريف والضياع، مصداقًا لقوله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (الحجر: 9).
وبذلك، بقي القرآن الكريم حجةً على البشرية جمعاء، إلى قيام الساعة. وقد تحدى الله به الإنس والجن، فلم يستطع أحدٌ أن يأتي بمثله، أو أن يجد فيه عيبًا. وينفي الله تعالى عن القرآن الكريم أي شك أو نقص، كما قال تعالى:
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ” (فصلت: 42).

حماية القرآن الكريم

القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله له، وقد تجلى ذلك في عدة صور، منها حفظه في الصدور، وتدوينه في السطور. وقد حرص المسلمون منذ نزول الوحي على حفظ القرآن وتدبر معانيه.

تطور تدوين القرآن الكريم

مر تدوين القرآن الكريم بعدة مراحل مهمة، بدأت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، واكتملت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

تدوين القرآن في عهد النبوة

كان النبي صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي من جبريل عليه السلام، ويقوم بتبليغه للصحابة رضوان الله عليهم. ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميًا، إلا أنه أمر الصحابة بكتابة القرآن الكريم، تشجيعًا على حفظه وتدوينه. ومن أشهر كتاب الوحي زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستدعيه عند نزول الوحي، ويكلفه بكتابة الآيات. فقد روي عنه -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه كان كثيراً ما يستدعي زيداً عند نزول الوحي؛ فيقول:(“ادْعُ لي زَيْداً ولْيَجِئْ باللَّوْحِ والدَّوَاةِ والكَتِفِ، أوِ الكَتِفِ والدَّوَاةِ“).
إذن، بدأ تدوين القرآن الكريم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن مجموعًا في كتاب واحد آنذاك، بل كان محفوظًا في الصدور ومكتوبًا على الرقاع والعسب وغيرها.

توجد أدلة قوية تشير إلى كتابة القرآن الكريم في عهد النبوة، منها:

  • ذكر لفظ “الكتاب” في القرآن الكريم في عدة آيات، مثل قوله تعالى: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ” (البقرة: 2).
  • نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن السفر بالقرآن الكريم، حيث قال:(“لا تُسافِرُوا بالقُرْآنِ، فإنِّي لا آمَنُ أنْ يَنالَهُ العَدُو“).
  • تكليف النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة بكتابة الوحي، وكانوا يعرفون بكتاب الوحي. وقد ورد عن البخاري أنّ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- عندما طلب من زيدٍ ين ثابت -رضي الله عنه- جمع القرآن قال له:(“كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ“).
  • مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يكتبه الصحابة من آيات قرآنية.

من بين الصحابة الذين كلفهم النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن الكريم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وغيرهم الكثير. وكان كتاب الوحي يعتمدون على إملاء النبي صلى الله عليه وسلم في ترتيب الآيات والسور، كما ورد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال:(“كان رسولَ الله -صلَّى اللَّه عليهِ وسلَّمَ- ممَّا يأتي عليهِ الزَّمانُ تنزلُ عليهِ الآيات ذواتِ العددِ، فيدعو بعضَ من كان يَكْتبُ فيقولُ: ضعوا هؤلاءِ في السُّورةِ التي يذكرُ فيها كذا وَكَذا، وتنزلُ عليهِ الآيةُ فيقولُ: ضَعوا هذِهِ السُّورةَ التي يذكَرُ فيها كذا وَكَذا“). وكانوا يستخدمون في تدوين القرآن الكريم أغصان النخيل، والأخشاب، والحجارة الصغيرة، وقطع الجلود، والعظام، وغيرها من الأدوات المتاحة في ذلك العصر.

جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق

على الرغم من أن القرآن الكريم دُوِّن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لم يُجمع في كتاب واحد، لاحتمالية نزول المزيد من الآيات، أو نسخ بعضها. وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبسبب كثرة قتل حفظة القرآن الكريم في الحروب، خشي الصحابة من ضياع القرآن الكريم. لذلك، قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه بجمع الصحابة واستشارتهم في جمع القرآن الكريم في مصحف واحد، فوافق الصحابة على ذلك. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو صاحب اقتراح جمع القرآن. فانتدب أبو بكر رضي الله عنه لهذه المهمة زيد بن ثابت رضي الله عنه، الذي كان من كتاب الوحي وحفظة القرآن الكريم. واعتمد زيد في جمعه على أمرين: جمع ما كان محفوظًا في صدور الصحابة، وجمع ما دُوِّن من آيات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مع اشتراط شهادة شاهدين عدلين على أن هذه الآيات كُتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد احتُفظ بالمصحف عند أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

توحيد المصحف في عهد عثمان بن عفان

في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبعد اتساع الفتوحات الإسلامية، ظهرت بعض الاختلافات في قراءة القرآن الكريم بين المسلمين في الأمصار المختلفة. لذلك، قام عثمان رضي الله عنه بنسخ القرآن الكريم إلى عدة نسخ، وتوزيعها على الأمصار، وأمر بإحراق ما سواها من المصاحف الأخرى، توحيدًا للقراءة. فعندما كلّف عثمان بن عثمان -رضي الله عنه- مجموعةً من الصحابة بنسخه قال لهم:(“إذَا اخْتَلَفْتُمْ أنتُمْ وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ في شيءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بلِسَانِ قُرَيْشٍ، فإنَّما نَزَلَ بلِسَانِهِمْ فَفَعَلُوا حتى إذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصَاحِفِ، رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إلى حَفْصَةَ، وأَرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بمُصْحَفٍ ممَّا نَسَخُوا، وأَمَرَ بما سِوَاهُ مِنَ القُرْآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَفٍ، أنْ يُحْرَقَ“). واتبع عثمان رضي الله عنه منهجًا دقيقًا لضمان صحة نسخ القرآن الكريم، شمل:

  • رفض ضم أي شيء للقرآن الكريم قبل عرضه على حملة القرآن الكريم من الصحابة والتأكد من أنه قرآن متلو وغير منسوخ.
  • كتابة الكلمات القرآنية التي تُقرأ بأكثر من وجه برسم قرآني واحد.
  • تجريد الكلمات القرآنية من النقاط والتشكيل في النسخ القرآنية كاملة.
Exit mobile version