الآية القرآنية: نصها الكامل
قال الله -تعالى- في سورة النساء: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا).
شرح المفردات اللغوية في الآية
فيما يلي توضيح لمعاني بعض الكلمات الواردة في الآية الكريمة، والتي قد تحتاج إلى تفسير:
- الذين هادوا: هم اليهود الذين اعتنقوا الديانة اليهودية.
- يحرّفون: أي يغيّرون ويبدّلون الكلام عن قصد.
- الكلم: المقصود به كلام الله الذي أُنزل في التوراة.
- مواضعه: أي المعاني الحقيقية التي أرادها الله في التوراة، بما في ذلك صفات النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-.
- غير مسمَع: دعاء عليهم بأن لا يسمعوا، أو أنهم غير موفقين للسماع النافع.
- راعنا: كلمة ظاهرها طلب المراعاة، ولكن اليهود كانوا يقصدون بها معنىً ذميماً.
- ليّاً: تحريفاً للكلام عن معناه الصحيح.
- طعناً: تشكيكاً وقدحاً في الدين الإسلامي.
- انظُرنا: طلب الانتظار والتأني في الكلام.
السياق العام لنزول الآية الكريمة
جاءت هذه الآية بعد أن ذكر الله -عز وجل- جزاء المطيعين وأجرهم العظيم، وعقاب العاصين الوخيم. وفي هذا السياق، ضرب الله مثلاً بأهل الكتاب الذين لم يلتزموا بأوامره، بل عمدوا إلى تحريف كتابه وتبديل كلماته، فاستبدلوا الهدى بالضلال. ويهدف هذا التوضيح إلى تنبيه المؤمنين وتحذيرهم من مغبة التحريف والتبديل، وأن يحذروا مخالفة الأوامر الإلهية، لأن ذلك يستجلب غضب الله وعقابه، كما حل باليهود من قبلهم.
التفسير الإجمالي والمعنى العام للآية
تبيّن هذه الآية الكريمة جملة من الأفعال الشنيعة التي ارتكبها اليهود مع علمهم بالحق. في مقدمة هذه الأفعال يأتي تحريف التوراة، حيث قاموا بتغيير ما ورد فيها من بشارات بقدوم النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن الأمر بالإيمان به واتباعه. لم يقتصر الأمر على تحريف التوراة، بل تجاوز ذلك إلى محاولة تحريف ما يسمعونه من النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة. وقد ورد في سورة البقرة ما يؤكد هذا المعنى، حيث قال تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).
إضافة إلى ذلك، كان اليهود يسخرون من الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويظهرون عصيانهم له ويحاولون الإساءة إليه بالقول والفعل، نتيجة للحقد الذي ملأ قلوبهم تجاه الإسلام والمسلمين، والحسد الذي استبدّ بهم لما آتاهم الله من فضله. ولو أنهم آمنوا بالرسول وامتثلوا لأوامره واتبعوا الحق لنجوا من اللعنة التي استحقتها أفعالهم. وفي تفسير قولهم: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) وردت ثلاثة تأويلات:
- أنهم يدعون على النبي -صلى الله عليه وسلم- بالصمم وعدم السماع.
- أنهم يقصدون أن كلامه غير مقبول ولا يُستجاب له.
- أنهم يريدون أن يقولوا بأنه لا يسمع ما يتداولونه بينهم من سب وشتم واستهزاء.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم، سورة النساء، الآية 46.
- تفسير الجلالين.
- التفسير المنير للزحيلي.
- زهرة التفاسير لأبي زهرة.
