جدول المحتويات
ما هو علم الوراثة؟
علم الوراثة هو فرع من فروع علم الأحياء يهتم بدراسة الجينات، وهي الوحدات الأساسية التي تحمل الصفات الوراثية من الأبوين إلى الأبناء. يتضمن أيضًا دراسة الحمض النووي deoxyribonucleic acid (DNA)، الذي يتكون منه الجينات، وكيفية تأثيره على التفاعلات التي تحدث في الخلية الحية. بالإضافة إلى ذلك، يهتم علم الوراثة بدراسة دور العوامل البيئية في ظهور الصفات الوراثية.
تاريخ علم الوراثة
لقد كان الاهتمام بالوراثة موجودًا منذ العصور القديمة. لاحظ الإنسان تأثير الوراثة وطبق مبادئها لتحسين المحاصيل الزراعية والحيوانات الأليفة. فمثلاً، تُظهر بعض الألواح البابليّة القديمة شجرة عائلة لبعض الخيول، مُشيرةً إلى صفات يمكن توارثها. وكذلك تُظهر المنحوتات القديمة التلقيح المتقاطع لأشجار النخيل. وعلى الرغم من ذلك، فإن أول تسجيل للنظريات المتعلقة بالوراثة يعود إلى زمن قدماء الإغريق.
اقترح أبقراط (Hippocrates) فرضية التخلّق (Pangenesis) التي تنص على أنّ أعضاء الأبوين تُشكّل بذوراََ غير مرئيّة تنتقل عن طريق الجماع إلى رحم الأم، حيث تعيد تشكيل نفسها لتكوّن طفلاََ. أما أرسطو (Aristotle) فقد افترضّ أنّ الدّم هو الذي يزوّد الجسم بالمواد البنائيّة التي يتكوّن منها، وأنّه المسؤول عن نقل الصّفات الوراثيّة من جيل لآخر.
في القرن التاسع عشر، اقترح العالم الفرنسي جان باتيست لامارك (Jean-Baptiste Lamarck) فرضيّة وراثة الصّفات المُكتسبة، وفرضيّة الاستعمال والإهمال. افترضّ لامارك أنّ بعض الأعضاء قد تتطوّر نتيجة للتغيرات البيئيّة، وأنّ هذه الصّفات التي اكتسبها الكائن الحي يمكن أن يورّثها لسلالته. ومثال على ذلك، اعتقد لامارك أنّ رقبة الزّرافة الطّويلة كانت نتيجة لمحاولة حيوانات شبيهة بالغزال مدّ رقابها إلى مسافات أطول أثناء محاولتها الوصول إلى أوراقالأشجارالعالية.
بعد ذلك، قدم العالمين ألفريد راسل والاس (Alfred Russel Wallace) وتشارلز داروين (Charles Darwin) فرضيّة الانتخاب الطّبيعي، وافترضّ داروين أنّ الإنسان والحيوانات لهما أصل مشترك، إلا أنّ هذه الأفكار بدت متعارضة مع تجارب العالم مندل في الوراثة.
تجارب العالم مندل
بدأ العالم مندل (Gregor Mendel) تجاربه في عام 1856. أجرى تجاربه على الفئران، ونحل العسل، إلا أنّه قررّ أنّ نبات البازيلاء هو النّموذج المناسب لإجراء تجاربه. درس مندل سبع صفات وراثيّة في نبات البازيلاء، ودرس في كل مرة صفة على حدة، مثل طول النّبات، ولون الزّهرة، ولون البذور، وشكل البذور.
لتأكيد نقاء الصفة الوراثية التي يدرسها، سمح مندل للنباتات التي تحمل الصفة بالتلقيح الذاتي لعدة أجيال حتى تثبت الصفة في جميع الأفراد النّاتجة. ثم تابع تجاربه بإجراء الخطوات الآتية:
- التّلقيح الخلطي: لقّح مندل نباتاً يحمل الصّفة الأولى النّقيّة (مثلا نبات طويل الساق) من نبات آخر يحمل الصّفة المقابلة النّقية (أي نبات قصير السّاق). لاحظ مندل أنّ أفراد الجيل النّاتج كانت جميعها طويلة السّاق، ولم يظهر أي نبات قصير السّاق. أطلق مندل على الصّفة التي ظهرت اسم الصّفة السّائدة (Dominant trait)، وأطلق على الصّفة التي اختفت اسم الصّفة المتنحيّة (Recessive trait).
- التلقيح الذاتي: سمح مندل للنباتات طويلة السّاق التي ظهرت نتيجة التّلقيح الخلطي بأن تلقّح نفسها، فظهرت نباتات الجيل الثّاني. لاحظ مندل ظهور نسبة قليلة من النّباتات قصيرة السّاق؛ إذ وجد أنّ مقابل كلّ ثلاث نباتات تحمل الصّفة السّائدة (طويلة السّاق)، ظهر نبات واحد يحمل الصّفة المتنحيّة (قصير السّاق)، أي أنّ عدد نباتات البازيلاء طويلة السّاق يفوق عدد النّباتات قصيرة السّاق بنسبة 3:1. وقد لاحظ مندل أنّ توارث صفة طول السّاق لم يؤثّر على توارث الصّفات الأخرى مثل لون الأزهار على سبيل المثال.
نتائج تجارب مندل
في عام 1865، بعد ما يقرُب من عقد من الزّمان على بدء تجاربه، وبعد إجراء تجاربه على 30000 نبات بازيلاء تقريباً، قدّم العالم مندل نتائج تجاربه والتي كانت كالآتي:
- يتحكّم في ظهور الصّفة الوراثيّة زوج من العوامل التي يمكن أن تُورَّث أي تنتقل من الآباء إلى الأبناء. (العوامل هي الجينات، إلا أنّ المصطلح لم يكن قد ظهر في زمن مندل).
- يمكن لأحد العوامل أن يُخفي تأثير العامل الآخر، ويُسمى العامل الأول العامل السّائد، بينما يُسمى العامل الثّاني العامل المتنحي.
- ينفصل زوج العوامل أثناء تكوين الجاميتات، بحيث ينتقل أحد العوامل عشوائياََ إلى الجاميت الأنثوي، وينتقل العامل الآخر إلى الجاميت الذّكري.
- تُورّث أزواج العوامل التي تتحكّم بظهور صفة وراثيّة بشكل مستقل عن العوامل التي تتحكّم بظهور صفات وراثيّة أخرى.
أنواع الوراثة
تفترض التجارب السّابقة للعالم مندل أنّ الجين السّائد يُخفي أثر الجين المتنحي عندما يجتمعان معاََ. فإذا اجتمع الجين المسؤول عن شكل البذور الملساء، مع جين شكل البذور المجعدة تظهر البذور ملساء، لأنّ جين البذور الملساء يسود سيادة تامة على جين البذور المجعدة ويخفي تأثيرها. هذا مبدأ السّيادة التّامة (Complete Dominance) الذي يتحكّم بصفة شكل البذور بالإضافة للصفات التي عمل عليها مندل، إلا أنّ هناك أنواعاََ أخرى للصفاتالوراثيّة، تُسمى صفات غير مندليّة؛ لأنّ قوانين مندل لا تنطبق عليها، ومنها:
- السّيادة غير التّامة (Incomplete Dominance): من الأمثلة على الصّفات التي تخضع لقوانين السّيادة غير التّامة صفة طبيعة الشّعر لدى البشر. الجين السّائد في هذا النّوع من الوراثة هو جينالشّعر المجعّد، والجين المتنحّي هو جين الشّعر الأملس. عند اجتماع الجينين معاََ، لا يلغي أحدهما تأثير الآخر كما يحدث في السّيادة التّامة، بل تظهر صفة ثالثة وسطيّة بينهما وهي الشّعر المتموّج. ومثال آخر على السّيادة غير التّامة هو وراثة لون أزهار نبات شب اللّيل؛ فعند اجتماع جين لون أزهار شب اللّيل الحمراء السّائد، مع جين لون الأزهار الأبيض المتنحي تظهر صفة وسطيّة بين الأحمر والأبيض وهي الأزهار قرنفليّة اللّون.
- السّيادة المشتركة (Co-dominance): تختلف السّيادة المشتركة عن السّيادة التّامة، والسّيادة غير التّامة؛ وذلك لأنّه لا وجود لصفة متنحيّة في هذا النّوع من الصّفات الوراثيّة. ومن الأمثلة عليها وراثة لون الشّعر في بعض سُلالات الماشيّة، فعند اجتماع الجين المسؤول عن ظهور لون الشّعر الأحمر مع جين اللّون الأبيض تظهر ماشيّة تحمل شعيرات حمراء، وشعيرات بيضاء، وبذلك يكون قد ظهر تأثير كلا الجينين معاََ.
- الجينات المميتة (Lethal genes): في هذا النّوع من الوراثة يؤدي اجتماع جينَين سائدَين معاََ إلى موت الكائن الحي. ومن الأمثلة على هذا النّوع من الوراثة لون الشّعر في فئران المنزل؛ فالجين السّائد هو جين اللّون الأصفر، والجين المتنحي هو جين اللّون الرّصاصي (آجوتي). عند اجتماع جينَي اللّون الرّصاصي المتنحيَين، تظهر جميع الأفراد بلون رصاصي، أما اجتماع الجينين السّائدَين، أي جيني اللّون الأصفر فله تأثير قاتل على أجنة الفئران، يؤدّي إلى موتها – أي الأجنّة – في مرحلة مبكّرة من الحمل.