درس بليغ عن التحلي بالصبر

تأملات في فضل الصبر وأهميته في الإسلام. نصائح قيمة و أدعية مأثورة لتعزيز الصبر في حياتنا.

فهرس المحتويات

تمهيد

الثناء والحمد لله على نِعمه الظاهرة والباطنة، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله الذي يجيب دعوة المضطر، ويكشف الكرب، ويجعل الصبر نوراً وضياءً في قلب المؤمن. نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونسأله أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين. إن الله تعالى جعل الصبر سبيلاً لنيل رضاه والفوز بجنته، فهو مفتاح الفرج وزاد المؤمن في دنياه وآخرته. يقول تعالى في كتابه الكريم:
“وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ”.

ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خير من صبر واحتسب، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لقد ضرب لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أروع الأمثلة في الصبر على البلاء والشدائد، وكان دائمًا يدعو إلى التمسك بالصبر والاحتساب. قال رسول الله -عليه السلام-:
“عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له”.

التأكيد على أهمية تقوى الله

يا أيها المسلمون، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، والتمسك بأوامره واجتناب نواهيه. تقوى الله هي خير زادٍ يتزود به العبد في هذه الدنيا، وهي سبب للفلاح والنجاح في الآخرة. علينا أن نراجع أنفسنا ونتوب إلى الله تعالى توبةً نصوحة، ونستغفره من جميع الذنوب والمعاصي. يقول تعالى:
“وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالله يُحِبُّ المُحْسِنِينَ”.

الجزء الأول من الدرس

أيها الإخوة الكرام، كلما ازداد صبر العبد، ارتفعت مكانته ومنزلته عند الله تعالى. لذلك، يجب علينا أن نرضى بقضاء الله وقدره، وأن نؤدي الفرائض ونبتعد عن كل ما يغضب الله تعالى من سخط وجزع. يجب علينا أن نتأدب مع الله تعالى عند المحن والابتلاءات، وأن لا نعترض على قضائه وقدره.

ينبغي علينا أن ندرك أن الحكمة الإلهية من الابتلاءات تكمن في تمييز الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق. ففي الابتلاء يظهر معدن الإنسان الحقيقي. يقول سبحانه وتعالى:
“مَّا كَانَ اللَّـهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ”.

عباد الله، الصبر هو الوسيلة الأهم لتهذيب النفس وتقويتها في مواجهة صعاب الحياة. عليكم بالصبر الذي يؤدي إلى الثبات على الحق، لتنالوا الدرجات العلى في الدنيا والآخرة. أحسنوا الظن بالله تعالى، وتيقنوا بأن كل ما يأتي من الله هو خير، حتى وإن بدا ظاهره شرًا. ابتعدوا عن الغضب والسخط عند المصائب، فذلك ليس من صفات المؤمنين. يقول تعالى:
“وَلِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ”.

عليكم بترسيخ دعائم الصبر في نفوسكم، لتستطيعوا المضي قدمًا في الطريق الذي رسمه الله لنا، ولتنالوا الرضا في الدنيا والفوز العظيم في الآخرة. اصبروا على الدعوة إلى الله، ولا تلتفتوا إلى استهزاء المستهزئين. لقد كان الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- خير مثال على ذلك، وقد أمره الله تعالى بالصبر في قوله:
“فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ”.

اعلموا أن الصبر من الأمور التي أوجبها الله في كتابه، وحث عليها الرسول الكريم في سنته. وقد ذكر العلماء أقسامًا متعددة للصبر، فالصبر على الطاعات والبعد عن المحرمات واجب شرعي. واعلموا أن الصبر يكون مندوبًا إذا كان على الأمور المكروهة والمستحبة، ويكون محرمًا إذا كان الصبر على الحرام يؤدي إلى هلاك النفس أو الموت.

واعلموا أيضًا أن الصبر يكون مكروهًا إذا امتنع الإنسان عن الأكل والشرب حتى يلحق الضرر بنفسه، ويكون مباحًا إذا كان الإنسان مخيرًا بين أمرين مباحين. ويكون الصبر محمودًا إذا تحققت شروط الإخلاص وعدم الشكوى للناس، كالصبر عند البلاء، وهذا ما يؤجر عليه الإنسان الأجر العظيم.

يا أمة محمد، تمسكوا بالأمور التي تعين على الصبر وتخفف ألم المصاب. اعلموا حقيقة الدنيا وأنها ليست دار بقاء، وثقوا بالله تعالى، واعلموا أن الصبر جزاؤه الأجر والثواب العظيم. تذكروا دائمًا أن النعيم الحقيقي هو من عند الله، وتيقنوا بأن الفرج قريب مهما تأخر. يقول تعالى:
“سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا”.

الجزء الثاني من الدرس

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.
“مَن يَهْدِهِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ له، وَمَن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له”، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.

أيها المسلمون الكرام، عليكم بالصبر فهو الطريق إلى الجنة. آمنوا بأن كل ما يحدث في هذه الدنيا هو بقضاء الله وقدره. يقول تعالى:
“مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرٌ”.

اعلموا أن هذه الدنيا ليست دار قرار، بل هي دار فناء، فلا تسخطوا من مصائبكم، وأحسنوا الظن بالله، فالفرج قريب لا محالة. تحلوا بالأناة والتروي في انتظار ثمار الصبر، ولا تستعجلوا النتائج. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدعاء

بعض الأدعية التي يمكن الاستعانة بها في ختام هذا الدرس:

  • “رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ”.
  • “رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ”.
  • “الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”.
  • اللهم ارزقنا الصبر وثبتنا على البلاء، وعوضنا خيرًا مما فقدنا.
  • اللهم إنا نسألك أن تمنحنا القوة والعزيمة لمواجهة تحديات الحياة، وأن تجعلنا من الصابرين الشاكرين.
  • اللهم ألهمنا الصبر والسلوان، واجعلنا ممن يستغفرونك ويتوبون إليك في كل حين.

المصادر

  • القرآن الكريم
  • السنة النبوية الشريفة
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

التأمل في نعمة الشكر و فضائلها

المقال التالي

مقال عن أهمية الصدق وفضائله

مقالات مشابهة