تمييز الحمد عن التسبيح: نظرة متعمقة

توضيح مفهوم التسبيح والتحميد

التسبيح هو تنزيه الله تعالى عن كل نقص وعيب، وإثبات الكمال المطلق له. هو إبعاد صفات النقص عن الله سبحانه وتعالى، وتقدير عظمته وجلاله.
وقد ذكر الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لقوله تعالى في آخر سورة الصافات:
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّـهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[الصافات: 180-182].

التحميد هو الثناء على الله بصفاته الجميلة وأفعاله الحسنة، مع المحبة والتعظيم. هو ذكر محاسن المحمود لما له من فضل ونعمة، مع إقرار بجميل صفاته الذاتية. ويستحق الحمد كل من يمتلك صفات محمودة كالعلم والشجاعة والكرم.

غالباً ما يجمع القرآن الكريم بين التسبيح والحمد، لأنهما يكملان بعضهما البعض. فالتسبيح يستلزم إثبات صفات الكمال لله، والحمد يستلزم نفي صفات النقص عنه. إثبات الكمال يستوجب نفي النقص، ونفي النقص يستدعي إثبات الكمال.

والتسبيح يسبق التحميد من حيث الأهمية، لأن تنزيه الله عن كل ما لا يليق به يسبق وصفه بالإحسان والإعطاء. فوجود الشيء بذاته أولى من إيجاده لغيره. وتسبيح الله يعمق في قلب المؤمن تعظيم الله وتنزيهه، بينما الحمد يزيد إيمان القلب بأن الله هو المنعم المتفضل.

أصناف الأذكار: التسبيح والتحميد

الأذكار المأثورة هي تلك التي وردت في القرآن الكريم أو السنة النبوية، سواء أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم أو فعلها. وتشمل هذه الأذكار التسبيح والتحميد. ولكل ذكر من هذه الأذكار تأثير خاص على قلب المسلم، حيث يزيد صلته بالله تعالى ويزيد حرصه على أداء العبادات على أكمل وجه.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
فَسُبْحَانَ اللَّـهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
[الروم: 17-18].
وقد جاء التسبيح والحمد في القرآن الكريم بصيغة الخبر التي تتضمن الأمر والطلب، ففي قوله تعالى: فَسُبْحَانَ اللَّـهِ [الروم: 17]، وقوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم: 18]، دلالة على وجوب الحمد له من جميع أهل السماوات والأرض.

يذكر الحمد بعد التسبيح في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، لأن التحلية لا تكون إلا بعد التنزيه والتصفية، فالتسبيح هو التنزيه والتصفية، والحمد هو التحلية.

الأهمية العظيمة للتسبيح والتحميد

للتسبيح والتحميد فضائل جمة ذكرت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
لأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ ممَّا طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ [مسلم].

وروى أبو مالك الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلأُ- ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها، أوْ مُوبِقُها [مسلم].

كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ علَى اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ، حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ، سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ [البخاري].

وعن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من عندي، وأنا في مُصلاي، ثم عاد حين ارتفع النهار، وأنا لم أزل في مصلاي، فقال لي: لم تزالي في مصلاك منذ خرجت؟ فقلت له؛ نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لقَدْ قُلتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ مُنْذُ اليَومِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ [مسلم].

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في فضل التسبيح والتحميد:
إِنَّ اللهَ اصْطَفَى من الْكَلامِ أَرْبَعًا: سُبْحانَ اللهِ، وَالحَمدُ لِلهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ ، ثُمَّ قالَ: من قَال سُبْحانَ اللهِ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَحُطَّ عنهُ عِشْرُونَ سَيِّئَةً، ومن قَال اللهُ أَكْبَرُ فَمِثْلُ ذَلِكَ، ومن قَال: لا إِلَهَ إِلا اللهُ فَمِثْلُ ذَلِكَ، ومن قال الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعالَمينَ من قِبَلِ نَفْسِهِ كُتِبَ لَهُ بِها ثَلاثونَ حَسَنَةً وَحُطَّ عنهُ ثَلاثونَ سَيِّئَةً [أحمد].

وللتسبيح والتحميد فضل، وخير لمن نزل به كرب، أو أصابته شدّة، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
لقَّنَنِي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هؤلاءِ الكلماتِ وأمرني إن نزل بي كربٌ أو شدَّةٌ أن أقولهُنَّ لا إلهَ إلا اللهُ الكريمُ الحكيمُ سبحانَهُ وتبارك اللهُ ربُّ العرشِ العظيمُ والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ [أحمد].

قائمة المصادر والمراجع

  • أبعبدالمحسن العباد (2003)،كتاب فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين للنووي وابن رجب رحمهما الله(الطبعة الأولى)، السعودية: دار ابن القيم، صفحة 79.
  • عبد الرحيم الطحان (2010)،خطب ودروس الشيخ، صفحة 3، جزء 5.
  • فاضل صالح السامرائي (2003)،لمسات بيانية في نصوص من التنزيل(الطبعة الثالثة)، الأردن: دار عمار، صفحة 11.
  • فخر الدين الرازي (1420)،مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير(الطبعة الثالثة)، بيروت: دار إحياء التراث العربي، صفحة 578، جزء 27.
  • أبسعيد حوى (1994)،الأساس في السنة وفقهها- العبادات في الإسلام(الطبعة الأولى)، مصر: دار السلام، صفحة 2165، جزء 5.
  • ابن تيمية (1422)،جامع المسائل- المجموعة الثالثة(الطبعة الأولى)، مكة: دار عالم الفوائد، صفحة 278.
  • وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (1992)،الموسوعة الفقهية الكويتية(الطبعة الثانية)، الكويت: ذات السلاسل، صفحة 227، جزء 21.
  • عماد بن زهير حافظ (2003)،تسبيح الله ذاته العلية في آيات كتابه السنية(الطبعة العدد 119- 35)، المدينة المنورة: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، صفحة 107.
  • عبدالرزاق البدر (1422)،الذكر والدعاء(الطبعة الأولى)، السعودية: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 42.
  • ابن تيمية (1978)،الكلم الطيب(الطبعة الأولى)، بيروت: دار الفكر اللبناني، صفحة 17.
  • ابن خزيمة (2003)،صحيح ابن خزيمة(الطبعة الثالثة)، لبنان: المكتب الإسلامي ، صفحة 392، جزء 1.
  • محمد المنجد،دروس للشيخ محمد المنجد، صفحة 3، جزء 255.
  • الألباني (2003)،التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان(الطبعة الأولى)، جدة: دار با وزير ، صفحة 231، جزء 2.
Exit mobile version