المحتويات:
تفسير السعدي لسورة قريش
تعتبر سورة قريش من السور المكية القصيرة، وتتحدث عن نعم الله على قبيلة قريش، وتحثهم على عبادته وشكره. وقد قدم الشيخ عبد الرحمن السعدي تفسيراً موجزاً وقيماً لهذه السورة، مبيناً معانيها ودلالاتها.
القسم الأول من السورة
يرى الشيخ السعدي أن الجار والمجرور “لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ” يتعلق بالسورة السابقة، وهي سورة الفيل، بمعنى أن الله فعل ما فعل بأصحاب الفيل من أجل قريش، وتيسير أمورهم، وانتظام رحلاتهم التجارية في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام. وقد أهلك الله من أراد بهم سوءاً، وعظم شأن الحرم وأهله في قلوب العرب، حتى احترموهم ولم يتعرضوا لهم في أسفارهم. ولهذا أمرهم الله بالشكر.
قال السعدي: “قال كثير من المفسرين: إنَّ الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها؛ أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام؛ لأجل التجارة والمكاسب فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظَّم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب، حتى احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي: سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر”.[1]
ويوضح السعدي أن اللام في بداية السورة (“لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ”) والاسم الذي بعدها يجب أن يرتبطا بفعل مذكور أو سيأتي. ويتفق معه في هذا الرأي عدد من المفسرين، مثل الفراء والزمخشري والبغوي والبقاعي. فالفراء يرى أن الكلام متصل بقوله تعالى في سورة الفيل: “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ”، ويذكر أهل مكة بعظيم النعمة عليهم فيما صنع بالحبشة. والزمخشري يرى أن المعنى يتعلق بما قبله، أي فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش. أما البغوي فيقول إن اللام تتعلق بالسورة التي قبلها، ويذكر أهل مكة بنعمة الله عليهم. ويرى البقاعي أن الله فعل ذلك بأصحاب الفيل لمنعهم عن بيته وحرمه، لانتظام شمل قريش وتأليفهم بهاتين الرحلتين، فيقيموا بمكة وتأمن ساحتهم.
الفراء: قد يقول القائل: كيف ابتدئ الكلام بلامٍ ليس بعدها شيء؟، الجواب: كانت موصلة بـ(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)، وذلك أنه -سبحانه وتعالى- ذكَّر أهل مكة عظيم النعمة عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال:(لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ)، أيضاً، كأنه أضاف ذلك إلى نعمته عليهم في رحلة الشتاء والصيف، فتقول: نعمة إلى نعمة، ونعمة لنعمة، سواء في المعنى.[5]
القسم الثاني والأخير من السورة
يشير الشيخ السعدي في تفسيره إلى أن الله أمر قريش بعبادته وتوحيده وإخلاص العبادة له، لأنه هو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. فالرزق والأمن من أكبر النعم التي تستوجب الشكر. وقد خص الله بالربوبية البيت الحرام لفضله وشرفه، وإلا فهو رب كل شيء.
قال السعدي: “(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ)؛ أي ليوحدوه ويخلصوا له العبادة، (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)؛ فرغد الرزق والأمن -مِن المخاوف- مِن أكبر النعم الدنيوية، الموجبة لشكر الله -تعالى-؛ فلك اللهم الحمد والشكر على نعمك الظاهرة والباطنة، وخص الله بالربوبية البيت لفضله وشرفه، وإلا فهو رب كل شيء”.[11]
ويربط بعض المفسرين بين الإطعام من جوع والأمن من خوف بتعريف مختلف للإيلاف، وهو: عهد أمان مكتوب يسمح لقريش بالتجارة بدون أن يعترضهم أحد. ويذكر جواد علي قصة هذا الكتاب، حيث جلس قيصر مع هاشم بن عبد مناف وأعجب به، فطلب منه هاشم كتاب أمان لتجارة قومه، فوافق قيصر وكتب له كتاباً. ثم عقد هاشم عقوداً مع القبائل العربية لتأمين تجارة قريش، فكان الإيلاف.
تسمية السورة عند الشيخ السعدي
يطلق الشيخ السعدي على هذه السورة اسم “سورة لإيلاف قريش”، وهو اسم موجود في بعض كتب الصحاح والسنن، مثل صحيح البخاري وسنن سعيد بن منصور. وقد ورد أيضاً في تفسير زاد المسير وتفسير حدائق الروح والريحان.
وهذا الاسم غير مشتهر في كتب التفسير التي بين أيدينا، كما أن جلال الدين السيوطي لم يذكرها من السور التي لها أكثر من اسم في كتابه: الإتقان في علوم القرآن؛ ولكنه أطلق عليها اسم: “سورة لإيلاف قريش”، مع أن جلال الدين السيوطي نفسه سماها في تفسيره الدر المنثور: “سورة قريش”.[15]
المصادر
- عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن، صفحة 935.
- سورة قريش، آية:1
- فاضل السامرائي، معاني النحو، صفحة 113. بتصرّف.
- سورة الفيل، آية:1
- الفراء، معاني القرآن، صفحة 293. بتصرّف.
- الزمخشري، الكشاف، صفحة 801.
- البغوي، مدارك التنزيل، صفحة 542.
- برهان الدين البقاعي، نظم الدرر، صفحة 263.
- سورة قريش، آية:3
- سورة قريش، آية:4
- السعدي، تفسير السعدي، صفحة 935. بتصرّف.
- جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، صفحة 67. بتصرّف.
- عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن، صفحة 953.
- جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، صفحة 228.
- جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، صفحة 634.
- ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، صفحة 491.
- ابن كثير الدمشقي، تفسير القرآن العظيم، صفحة 492.
- محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، صفحة 1899.
- سعيد بن منصور، سنن سعيد بن منصور، صفحة 431.
- ابن الجوزي، زاد المسير، صفحة 493.
- محمد الهرري، حدائق الروح والريحان، صفحة 347.








