الأدب والشعر

تحليلات لغوية في قصيدة على قدر أهل العزم

مقدمة

تُعتبر قصيدة “على قدر أهل العزم” للمتنبي من عيون الشعر العربي، حيث تمزج بين الفخر والحكمة والوصف البديع. وفي هذه المقالة، سنتناول جوانب مختلفة من القصيدة، بدءًا من الصور البلاغية المستخدمة، مرورًا باستعراض النص الكامل، وصولًا إلى تحليل الأفكار الرئيسية وشرح معاني بعض الكلمات الصعبة.

الصور البلاغية والتصوير الفني

تزخر القصيدة بالصور البلاغية الرائعة التي أبدعها المتنبي، والتي تضفي على النص جمالًا وعمقًا. فيما يلي بعض الأمثلة البارزة:

  • عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ: استعارة مكنية؛ شبّه العزائم بالإنسان الذي يأتي، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.
  • وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ: استعارة مكنية؛ شبّه المكارم بالإنسان الذي يأتي، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.
  • هَلِ الحَدَثُ الحَمراءُ تَعرِفُ لَونَها: استعارة مكنية؛ شبّه الحدث الحمراء -وهي مدينة- بالإنسان الذي يعقل ويعلم، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.
  • فَلَمّا دَنا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ: استعارة مكنية؛ شبّه الجماجم الساكنة التي لا حراك لها بالإنسان الذي يُسقى، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.
  • وَمَوجُ المَنايا حَولَها مُتَلاطِمُ: استعارة مكنية؛ شبّه المنايا بالبحر الذي له أمواج، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.
  • طَريدَةُ دَهرٍ ساقَها فَرَدَدتَها: استعارة مكنية؛ شبّه الدهر بالضواري التي تُطارد فريستها، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.
  • تُفيتُ اللَيالي كُلَّ شَيءٍ أَخَذتَهُ: استعارة مكنية؛ شبه الليالي بالذي يأخذ الشيء كالإنسان، فحذف المشبه به وأبقى على شيء من لوازمه.

نظرة على القصيدة

هذه القصيدة نظمها أبو الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة الحمداني، وتعتبر من أجمل ما قاله في هذا الغرض. تتناول القصيدة مواضيع متنوعة، من وصف شجاعة سيف الدولة وجيشه، إلى تصوير المعارك والفتوحات، إلى التعبير عن الفخر والاعتزاز بالعروبة والإسلام.

يقول أبو الطيب المتنبي في مديح سيف الدولة:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِمُ
وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ
وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها
وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ
يُكَلِّفُ سَيفُ الدَولَةِ الجَيشَ هَمَّهُ
وَقَد عَجَزَت عَنهُ الجُيوشُ الخَضارِمُ
وَيَطلِبُ عِندَ الناسِ ما عِندَ نَفسِهِ
وَذَلِكَ مالا تَدَّعيهِ الضَراغِمُ
يُفَدّي أَتَمُّ الطَيرِ عُمراً سِلاحُهُ
نُسورُ المَلا أَحداثُها وَالقَشاعِمُ
وَما ضَرَّها خَلقٌ بِغَيرِ مَخالِبٍ
وَقَد خُلِقَت أَسيافُهُ وَالقَوائِمُ
هَلِ الحَدَثُ الحَمراءُ تَعرِفُ لَونَها
وَتَعلَمُ أَيُّ الساقِيَينِ الغَمائِمُ
سَقَتها الغَمامُ الغُرُّ قَبلَ نُزولِهِ
فَلَمّا دَنا مِنها سَقَتها الجَماجِمُ
بَناها فَأَعلى وَالقَنا تَقرَعُ القَنا
وَمَوجُ المَنايا حَولَها مُتَلاطِمُ
وَكانَ بِها مِثلُ الجُنونِ فَأَصبَحَت
وَمِن جُثَثِ القَتلى عَلَيها تَمائِمُ
طَريدَةُ دَهرٍ ساقَها فَرَدَدتَها
عَلى الدينِ بِالخَطِّيِّ وَالدَهرُ راغِمُ
تُفيتُ اللَيالي كُلَّ شَيءٍ أَخَذتَهُ
وَهُنَّ لِما يَأخُذنَ مِنكَ غَوارِمُ
إِذا كانَ ما تَنويهِ فِعلًا مُضارِعً
مَضى قَبلَ أَن تُلقى عَلَيهِ الجَوازِمُ
وَكَيفَ تُرَجّي الرومُ وَالروسُ هَدمَها
وَذا الطَعنُ آساسٌ لَها وَدَعائِمُ
وَقَد حاكَموها وَالمَنايا حَواكِمٌ
فَما ماتَ مَظلومٌ وَلا عاشَ ظالِمُ
أَتوكَ يَجُرّونَ الحَديدَ كَأَنَّهُ
مَسَرَوا بِجِيادٍ ما لَهُنَّ قَوائِمُ
إِذا بَرَقوا لَم تُعرَفِ البيضُ مِنهُمُ
ثِيابُهُمُ مِن مِثلِها وَالعَمائِمُ
خَميسٌ بِشَرقِ الأَرضِ وَالغَربِ زَحفُهُ
وَفي أُذُنِ الجَوزاءِ مِنهُ زَمازِمُ
تَجَمَّعَ فيهِ كُلُّ لِسنٍ وَأُمَّةٍ
فَما تُفهِمُ الحُدّاثَ إِلّا التَراجِمُ
فَلِلَّهِ وَقتٌ ذَوَّبَ الغِشَّ نارُهُ
فَلَم يَبقَ إِلّا صارِمٌ أَو ضُبارِمُ
تَقَطَّعَ مالا يَقطَعُ الدِرعَ وَالقَنا
وَفَرَّ مِنَ الأَبطالِ مَن لا يُصادِمُ
وَقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ
كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَةً
وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِمُ
تَجاوَزتَ مِقدارَ الشَجاعَةِ وَالنُهى
إِلى قَولِ قَومٍ أَنتَ بِالغَيبِ عالِمُ
ضَمَمتَ جَناحَيهِم عَلى القَلبِ ضَمَّةً
تَموتُ الخَوافي تَحتَها وَالقَوادِمُ
بِضَربٍ أَتى الهاماتِ وَالنَصرُ غائِبُ
وَصارَ إِلى اللَبّاتِ وَالنَصرُ قادِمُ
حَقَرتَ الرُدَينِيّاتِ حَتّى طَرَحتَها
وَحَتّى كَأَنَّ السَيفَ لِلرُمحِ شاتِمُ
وَمَن طَلَبَ الفَتحَ الجَليلَ فَإِنَّما
مَفاتيحُهُ البيضُ الخِفافُ الصَوارِمُ
نَثَرتَهُمُ فَوقَ الأُحَيدِبِ كُلِّهِ
كَما نُثِرَت فَوقَ العَروسِ الدَراهِمُ
تَدوسُ بِكَ الخَيلُ الوُكورَ عَلى الذُرى
وَقَد كَثُرَت حَولَ الوُكورِ المَطاعِمُ
تَظُنُّ فِراخُ الفُتخِ أَنَّكَ زُرتَها
بِأُمّاتِها وَهيَ العِتاقُ الصَلادِمُ
إِذا زَلِفَت مَشَّيتَها بِبِطونِها
كَما تَتَمَشّى في الصَعيدِ الأَراقِمُ
أَفي كُلِّ يَومٍ ذا الدُمُستُقُ مُقدِمٌ
قَفاهُ عَلى الإِقدامِ لِلوَجهِ لائِمُ
أَيُنكِرُ ريحَ اللَيثَ حَتّى يَذوقَهُ
وَقَد عَرَفَت ريحَ اللُيوثِ البَهائِمُ
وَقَد فَجَعَتهُ بِاِبنِهِ وَاِبنِ صِهرِهِ
وَبِالصِهرِ حَملاتُ الأَميرِ الغَواشِمُ
مَضى يَشكُرُ الأَصحابَ في فَوتِهِ الظُبى
بِما شَغَلَتها هامُهُم وَالمَعاصِمُ
وَيَفهَمُ صَوتَ المَشرَفِيَّةِ فيهِمِ
عَلى أَنَّ أَصواتَ السُيوفِ أَعاجِمُ
يُسَرُّ بِما أَعطاكَ لا عَن جَهالَةٍ
وَلَكِنَّ مَغنومًا نَجا مِنكَ غانِمُ
وَلَستَ مَليكًا هازِمًا لِنَظيرِهِ
وَلَكِنَّكَ التَوحيدُ لِلشِركِ هازِمُ
تَشَرَّفُ عَدنانٌ بِهِ لا رَبيعَةٌ
وَتَفتَخِرُ الدُنيا بِهِ لا العَواصِمُ
لَكَ الحَمدُ في الدُرِّ الَّذي لِيَ لَفظُهُ
فَإِنَّكَ مُعطيهِ وَإِنِّيَ ناظِمُ
وَإِنّي لَتَعدو بي عَطاياكَ في الوَغى
فَلا أَنا مَذمومٌ وَلا أَنتَ نادِمُ
عَلى كُلِّ طَيّارٍ إِلَيها بِرِجلِهِ
إِذا وَقَعَت في مِسمَعَيهِ الغَماغِمُ
أَلا أَيُّها السَيفُ الَّذي لَيسَ مُغمَدًا
وَلا فيهِ مُرتابٌ وَلا مِنهُ عاصِمُ
هَنيئاً لِضَربِ الهامِ وَالمَجدِ وَالعُلى
وَراجيكَ وَالإِسلامِ أَنَّكَ سالِمُ
وَلِم لا يَقي الرَحمَنُ حَدَّيكَ ما وَقى
وَتَفليقُهُ هامَ العِدا بِكَ دائِمُ

الأفكار الجوهرية

تتضمن القصيدة مجموعة من الأفكار المحورية، نذكر منها:

  • الأقدار والمسؤوليات تتناسب مع قدرات الأفراد.
  • مدح سيف الدولة الحمداني والإشادة بصفاته القيادية والشجاعة الفائقة.
  • تصوير بطولات جيش سيف الدولة في معركة الحدث الحمراء.
  • الإشارة إلى عجز أعداء سيف الدولة عن النيل منه أو من قوته.
  • التعبير عن الامتنان لسخاء سيف الدولة وكرمه.

دلالات الألفاظ

شرح بعض المفردات الواردة في القصيدة:

المفردة المعنى
الضراغم جمع ضرغام، وهو الأسد الضاري.[٢]
القشاعم القشاعم جمع قشعم، وهو النسر المسن.[٣]
تمائم جمع تميمة، وهي ما يُعلَّق دفعًا للشر ونحوه.[٤]
خميس الخميس، هو الجيش الجرار.[٥]
الغماغم الغماغم جمع غمغمة، وهو صوت الأبطال عند القتال.[٦]

المراجع

  1. “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”,الديوان.
  2. “تعريف و معنى الضراغم في معجم المعاني الجامع”,معجم المعاني.
  3. “تعريف و معنى القشاعم في معجم المعاني الجامع”,معجم المعاني.
  4. “تعريف و معنى تمائم في معجم المعاني الجامع”,معجم المعاني.
  5. “تعريف و معنى الخميس في معجم المعاني الجامع”,معجم المعاني.
  6. “تعريف و معنى غمغمة في معجم المعاني الجامع”,معجم المعاني.
بقلم
داليا قاسم

كاتب متعاون يغطي الصحة والثقافة والشؤون الراهنة من منطقة الشرق الأوسط.