بداية الحكاية: تحول جذري
في بداية هذا العام، كانت القطط تثير في نفسي الرعب والهلع. مجرد رؤية قطة كانت كفيلة بإثارة الذعر بداخلي. كنت أفر هاربةً، وأطلق صرخات عالية إذا اقتربت مني، وكأنني أواجه وحشًا مفترسًا. لم أكن أتخيل أبدًا أن هذه المشاعر ستتغير يومًا ما. ولكن الأقدار شاءت أن يكون لي لقاء غيّر حياتي، لقاء جعلني أرى القطط بمنظور مختلف تمامًا.
كنت عائدة من المدرسة ذات يوم، برفقة صديقتي نور. كانت نور تتمتع بملامح جذابة تذكرني بالقطط: بشرة بيضاء وعيون خضراء ساحرة. طلبت مني نور مرافقتها لشراء طعام لقطتها من متجر قريب. وما إن دخلنا المتجر، حتى لفتت انتباهي مجموعة من القطط الصغيرة معروضة للبيع داخل أقفاص ذهبية أنيقة. سحرتني ألوان عيونها وفروها الكثيف. كانت إحداها، قطة بيضاء ذات فراء غزير، تمشي نحوي بخطوات وئيدة ورشيقة. لم أتمالك نفسي ومددت يدي نحو قفصها دون تردد. زاد هذا من اقترابها، ومدت نحوي كفها الصغير وكأنها تصافحني. منذ تلك اللحظة، تبدد خوفي من القطط، وتحولت إلى أسيرة لجمال عينيها.
رفيقة دربي: كيتي وملء حياتي بالسعادة
اتصلت بنور، وأنا أشعر بالحرج الشديد. كنت أرغب في مصارحتها بشيء، ولكني كنت أخشى ردة فعلها، فهي تعلم مدى كرهي وخوفي من القطط. بعد تفكير عميق، جمعت شجاعتي واتصلت بها، وأخبرتها بحماس كبير أنني أرغب في اقتناء قطة، وتحديدًا تلك القطة البيضاء ذات العيون الخضراء. صمتت نور لبرهة، ثم بدأت تضحك بصوت عالٍ. طلبت منها التوقف عن الضحك وأخذ الأمر بجدية. أخبرتني أنها لن تصدق حتى تراني أحمل القطة بين ذراعي. فقلت لها: “حسنًا، غدًا سأقتني تلك القطة بإذن الله وسترين.”
ذهبت إلى النوم وأنا أتمنى ألا يسبقني أحد إلى شراء القطة. دعوت الله أن تنتظرني، وأنا في طريقي إليها. سرعان ما غلبني النعاس، ورأيت في حلمي أنني ألعب مع القطة وأركض خلفها، وأسميها “كيتي”. فجأة، دق جرس المنبه معلنًا موعد الذهاب إلى المدرسة. نهضت مسرعة وارتديت ملابسي، وانطلقت إلى المدرسة بعد أن فتحت حصالتي التي كنت أجمع فيها النقود. كنت سعيدة لأن الوقت قد حان لتحقيق حلمي.
لم أستطع التركيز في الدروس، وظللت أعد الدقائق والساعات حتى يحين موعد الخروج من المدرسة. وأخيرًا، دق جرس المدرسة معلنًا نهاية الدوام وبداية موعد اللقاء مع حبيبتي “كيتي”. ذهبت إلى نور، وسألتني عن سبب هذا التغيير المفاجئ. أخبرتها أن نظراتها سحرتني، وأن لون عينيها وفراءها الأبيض الناصع قد أسرني. وصلنا إلى المتجر، ولكني لم أجد القفص في مكانه المعتاد.
كاد عقلي يطير من رأسي، وشعرت بخيبة أمل كبيرة. كدت أبكي، واندفعت إلى داخل المتجر وسألت البائع عن “كيتي”، وسألته عمن اشتراها. تفاجأ البائع بسؤالي، وفي تلك اللحظة سمعت صوت مواء ناعم يأتي من خلفي. التفت إلى الوراء، وإذا بها تقول لي: “أنا هنا، لم تأخرتِ يا عزيزتي؟” ضحك البائع وأخبرني أنه وضعها في الداخل بسبب ارتفاع درجة الحرارة. فرحت كثيرًا وأخبرته أنني أريد شراءها. فجهز لي كل ما تحتاجه من أغراض وطعام وعلبة للفضلات، كما أعطاني بعض التعليمات للعناية بها.
وصلت إلى المنزل وأنا متحمسة لوصول ضيف جديد سيملأ البيت بالسعادة. ما إن دخلت المنزل، حتى بدأت نظرات الاستغراب والدهشة تملأ وجوه أفراد عائلتي. دخلت غرفتي في صمت، وبدأت أرقص فرحًا. وضعت الطعام لكيتي وبدأت أراقبها وهي تأكل، والسعادة تغمر قلبي. بعد أن انتهت من تناول طعامها، تذكرت ما قاله لي البائع: “يجب أن تقدمي لها الماء مع الطعام.” قدمت لها الماء وشربت، ثم بدأت تتجول في المكان وكأنها تستكشف بيتها الجديد.
تعبت كيتي وقررت الذهاب إلى النوم. جهزت لها صندوقًا بالقرب من سريري، ووضعت فيه قطعة قماش بيضاء ناصعة. تفحصت كيتي المكان بقدميها، ونظرت إليّ بشغف وكأنها تشكرني، وتعبر عن سعادتها بوصولها إلى هذا البيت. حل الليل وذهبت في نوم عميق. لأول مرة منذ أن بدأت أنام في غرفتي بمفردي، لم أشعر بالخوف، فقد أصبح لي أنيس ورفيق. نمت والسعادة تملأ ملامحي، والأحلام السعيدة تراودني. كنت ألعب مع كيتي وأركض معها، وأتحدث إليها بكل ما يجول في خاطري.
ذات يوم، خرجت للعب في الحديقة بجانب بيتنا، وأخذت كيتي معي بعد أن وثقت بأنني دربتها جيدًا على طاعة أوامري. كانت في غاية السعادة وهي تركض هنا وهناك، ثم تعود إليّ وتلمسني. وبينما نحن عائدون إلى المنزل، مرت سيارة مسرعة ورشقتنا بالماء الذي كان في الشارع. اتسخت أنا واتسخت كيتي. حزنت كثيرًا عليها وعلى فراءها الأبيض الذي تلطخ، ولكني حمدت الله أنها بخير.
وصلت إلى المنزل وأعددت لها حمامًا دافئًا ومنظفًا خاصًا بها. بدأت أسكب عليها الماء، فشعرت بالخوف قليلًا، ولكنها سرعان ما اطمأنت بين يدي، فهي تعلم أنني لن أؤذيها أبدًا. بعد أن نظفتها، أحضرت المنشفة وبدأت أجففها حتى شعرت بالراحة وغطت في نوم عميق.
الخلاصة: الرفقة نعمة
مع كيتي، لم أعد تلك الفتاة الوحيدة التي لا تخرج من غرفتها إلا لتناول الطعام. لم أعد تلك الفتاة الخائفة التي تحتاج إلى وقت طويل حتى تنام. لم أعد وحيدة، بل أصبح لي صديقة تسليني وأسليها، تحبني وأحبها، تحتضنني وأحتضنها. ما أجملك يا كيتي! ما أجمل أن يكون لديك حيوان أليف!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”.
وقال الله تعالى: “وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ” (الأنعام: 38).
