تأملات في الحياة والتفاؤل

التفاؤل ضرورة للحياة

التفاؤل كلمة موجزة، ولكنها تغمر الروح بالبهجة، فهو سر الحياة وجوهرها. إن الحياة بدون طموح نسعى لتحقيقه تصبح ضربًا من المستحيل؛ لأن فقدانه يجعلنا نشعر وكأننا نعيش بلا جدوى، وأن وجودنا مجرد عبث لا طائل منه. بينما التفاؤل يساندنا في الشدائد، ويمنحنا الدافع لمواصلة المسير، بالرغم من أن الظروف قد لا تكون مواتية لأي انفراجة، إلا أن الله وهبنا نعمة التفاؤل كي نحلم بالمستحيل، ونسعى إلى تحقيقه بكل ما أوتينا من قوة، فهو بمثابة الوقود الذي يشعل فينا جذوة الحياة، ويجعلنا نندفع بحماسة وعنفوان لتحقيق أهدافنا.

فالحياة بدون تفاؤل ليست سوى موت بطيء، وخمود مستمر لا اشتعال فيه، بينما التفاؤل يمنحنا الشعور بحب الحياة والرغبة في عيشها بكل تفاصيلها، حتى المؤلمة منها. التفاؤل لا يعني الاستسلام، والإخفاقات لا تعني الركون إلى الإحباط والتوقف عن الحلم.

لا بد أن كل فرد منا قد مر بتجارب فشل وإحباط وألم، وشعر للحظة أن الحياة قد توقفت، وأنه لم يعد هناك أي فائدة من الاستمرار فيها، لكن فجأة يشرق التفاؤل في أعماقنا كغيمة مثقلة بالمطر تهطل على صحراء الروح، فتحيلها إلى جنة خضراء يانعة. فالتفاؤل هو العبير الفواح الذي تنشره الورود في الأرجاء، وهو الزهرة الندية التي تنبت في أعماق القلب فيصبح حديقة غناء.

ولو كانت الحياة وردة لكان التفاؤل عطرها وشذاها وجمالها، ولهذا يجب علينا ألا نفقد التفاؤل أبدًا، وأن نكافح كي يظل حيًا في قلوبنا، وألا نسمح لأي حزن أن يستوطن مكانه، ولا لأي خيبة أن تتملكنا في حضوره. فإن حضر التفاؤل اختفى الألم، وذهب اليأس بعيدًا عنا، فالمستحيل كلمة لا توجد إلا في قاموس اليائسين.

الأشخاص الذين يملؤون أنفسهم بالتفاؤل لا يشعرون بمرور الزمن أبدًا، بل يظل شبابهم متجددًا إلى النهاية؛ لأنهم يحرصون على أن يكونوا واثقين بأنفسهم، متيقنين بأن القادم أجمل، وأن أشد الأوقات ظلمة وعتمة هي قبل طلوع الفجر، وهذا بحد ذاته يشعل القلب بنور التفاؤل. لذلك علينا أن نتسلح بالتفاؤل في كل حين، وأن نكون على قدر المسؤولية التي يتطلبها منا هذا التفاؤل النقي الذي يجب ألا يتشوه أبدًا وألا تمسه أي أيد عابثة.

وطالما كان التفاؤل موجودًا معنا فنحن في خير وفير، وطالما كانت حياتنا مقرونة بالآمال فلن نصادف اليأس أبدًا، بل سنجد ما يدفعنا للعمل مهما كانت الظروف والأحوال، فالحياة ما هي إلا تفاؤل يترقب التحقيق، وما هي إلا زهرة تنتظر أن يسقيها التفاؤل لتزهر من جديد.

التفاؤل: منفذ صغير إلى آفاق رحبة

أروع ما في التفاؤل هو الأثر الطيب الذي يتركه في نفوسنا، خاصة عندما ندرك أن كلمة صغيرة بهذا المعنى تستطيع أن تفتح لنا الآفاق، وترشدنا إلى دروب الحياة الخالية من اليأس. فكم من شخص تسلح بالتفاؤل حتى انفتحت أمامه الأبواب المغلقة، وكم من شخص لم يتخل عن أحلامه، وربطها بتفاؤل لا يموت، ووجد نفسه وقد حقق جميع طموحاته في الحياة، فالتفاؤل جميل الصورة وجميل الأثر.

ويكفي أنه يجعلنا نحقق ما نطمح إليه دون أن نملك أي شيء، لأن تأثير التفاؤل عظيم وهو أكبر بكثير مما يتصوره البعض. لهذا إذا أردنا أن نكون أشخاصًا يُشار إليهم بالبنان، علينا ألا نفقد التفاؤل وألا نسمح لأي أحد أن يسرق منا شغفنا فيه وأحلامنا التي بنيناها عليه، وعلينا أن نقاوم حتى النهاية.

إذا فتحنا نوافذ التفاؤل في قلوبنا وأرواحنا سنشعر بقوة عظيمة تتولد في أعماقنا، وسنشعر أن حياتنا أجمل وأكثر احتمالًا. ففي اللحظة التي نسمح فيها للتفاؤل أن يتملك إحساسنا سنجد أنفسنا وصلنا إلى أماكن كثيرة لم نكن نطمح لها، وسنجد الحياة وقد ابتسمت في وجوهنا؛ لأن التفاؤل يحب من يحبونه، ويرغب بالعيش مع من يسعون إليه ومن يحافظون عليه، أما الأشخاص اليائسون فلا مكان لهم في عالم التفاؤل.

ولا يمكن أن يحققوا أي شيء يريدونه، فالأشخاص معدومو التفاؤل ما هم إلا أجساد هامدة، أما التفاؤل فهو الذي يمنح الوجه نورًا مدهشًا أكثر من نور الشمس والقمر؛ لأن التفاؤل منحة إلهية تنير القلب، ولا تنطفئ أبدًا إلا بإذنه.

إذا أردنا أن نصنع الفرق في حياتنا وألا نكون مجرد أشخاص عاديين، علينا أن نحافظ على بذرة التفاؤل وأن نزرعها في أرواحنا ونسقيها بالدعاء والعمل، وألا نترك التفاؤل وحيدًا في مهب الريح والعواصف، فالتفاؤل يطلب منا أن نحافظ عليه بحمايته من نوبات اليأس بألا نستسلم لها بأي ثمن، وألا نجعل لليأس طريقًا إلى التفاؤل، وأن ندرك دومًا أن الإنسان الذي يتمسك بتفاؤله لا بد أن يصل ولا بد أن يتحقق مبتغاه ولا بد أن يكون له كيان وحياة تليق بالتفاؤل الذي يملكه.

وكلما كان التفاؤل قريبًا منا كلما شعرنا بأهميته في حياتنا وأدركنا أننا بدونه لا نساوي شيئًا، فالوصية الأولى والأخيرة التي علينا أن نعلمها لأبنائنا في كل حين: لا تتخلوا عن التفاؤل ولا تسمحوا لأي شيء أن يسرق التفاؤل منكم.

الأحلام الكبيرة تصنع العظماء

البعض يتمسك بتفاؤل بسيط، ثم يبدأ هذا التفاؤل يكبر، ويكبر في أعماقه حتى يتحقق، لكن من يملك أحلامًا كبيرة لا بد أن تصبح هذه الأحلام أعظم، ولا بد أن يقنع نفسه بأن يعمل أكثر وأكثر ليصل إلى ما يريد، فيتحول الحلم العظيم على هيئة واقع عظيم يصنع شخصًا عظيمًا ميزته الرائعة أنه لم يتخل عن آماله وطموحاته، وإنما سعى إليها وركض لأجلها وحارب ولم يستسلم، وأخذ عهدًا على نفسه بأن يصل حتى وصل إلى ما يريد.

هنيئًا للأحلام الكبيرة حين تتحقق، وتجعل العيون تدمع بالفرح، وهنيئًا للأحلام والمجد كل المجد لها، تلك التي ستصنع أشخاصًا عظماء منتصرين على الواقع البائس بكل قوة، لا يهمهم غدر الأيام، ولا تخلي الناس عنهم، ولا يعلقون الفشل على شماعة الظروف، وإنما يحاولون مجددًا.

كل الذين تمسكوا بأحلامهم الكبيرة وصلوا، وكل الذين حاربوا لأجلها شاهدوا أحلامهم وقد تحققت، المهم ألا تذبل روح التفاؤل في الأعماق، وألا يكون لليأس مكانة في القلب أبدًا، فالأشخاص العظماء الصابرون والصامدون في وجه الحياة هم رسل التفاؤل في الحياة، وعليهم أن يؤمنوا بأنفسهم وأحلامهم وآمالهم قدر استطاعتهم كي لا يقعوا في فخ اليأس، وأما هؤلاء الذين يحاولون أن يصغروا من قيمة آمال الآخرين فهم أكثر الناس رغبة في تحقيق الأحلام، لكنهم لا يريدون لغيرهم أن يصل.

لا للاستسلام لليائسين ولا قيمة لكلام المحبطين؛ لأنهم مجرد أشخاص تملكتهم الغيرة، وتمكن منهم الحسد، فأرادوا أن يسرقوا آمال غيرهم، وعلى كل شخص عظيم يملك بذرة تفاؤل أن يخفي آماله وأحلامه عن هؤلاء، وأن نكون دومًا إلى جانب من يعلمونه كيفية التمسك بالأحلام، ويحثونا على أن نسعى لأجلها، فهؤلاء هم وقودنا الذي يمنحنا الشغف ويزيدون من عزمنا.

العظمة الحقيقية تبدأ عندما نكون أصحاب تفاؤل وسط العواصف والمنعطفات والتحديات، فإن استطعنا أن نتحمل جفاف العمر وسط الصحراء الجرداء ستتحول حياتنا إلى ربيع دائم، المهم ألا نتركها تخبو في قلوبنا، وأن نداري الشمعة التي أشعلناها من أي نسمة هواء، فالربيع لا بد أن يأتي يومًا، والشمس مهما غابت ستشرق مجددًا، والمطر سيهطل مهما طال الجفاف.

فإن تسلحنا بالله تعالى، وأخذنا الآمال من اليقين باستجابة دعائنا لن ينتصر اليأس علينا، ولن يتمكن منا أي شيء مهما كان مخيفًا، فحياتنا بلا تفاؤل لا تشبه الحياة، والقلوب بلا تفاؤل هي أشباه قلوب، فإن تشابكت يد الأحلام مع يد العمل لا بد أن يكون تحقيقها نصرًا جابرًا للخواطر وجميلًا بما يكفي كي نحب أنفسنا أكثر.

آمالنا العظيمة فراشات تحلق في فضاء الأحلام، بل هي نجوم مضيئة أخذت على عاتقها عهدًا أن تتحول إلى شموس مشرقة تضج بالحياة، وتبعث الدفء في نفوسنا، وتعطينا روحًا إضافية تسافر في محيط من الشغف الذي لا يخبو حتى لو أن الرياح سارت أحيانًا بعكس اتجاه شراع السفينة وحتى لو كان السواد شديدًا لا بد أن يأتي بياض العمر، وتتلون أحلامنا بالجمال والتألق والحياة.

فالحياة هي التفاؤل وهي العظمة، ومن أراد أن يكون عظيمًا لا بد أن يغامر ويعبر الجبال والوديان والبحار، فالتفاؤل هو رأس مالنا في حياتنا الذي علينا أن نزيد عليه وأن نتركه يثمر وينضج حتى يسير بنا إلى المكان الذي نريد أن نصله، والإنسان العاقل يظل متفائلاً حتى آخر يوم في حياته ومهما طال عمره.

Exit mobile version