افتتاحية
الحمد لله، مالك الملك، ومجري الفلك، مسخر الرياح، فالق الإصباح. نحمده سبحانه وتعالى على نعمة الإسلام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة، وإليه المصير. ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
التذكير بتقوى الله
أيها المسلمون، اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا بالعروة الوثقى، فإن تقوى الله هي خير زاد ليوم المعاد. امتثلوا لأوامره واجتنبوا نواهيه، وتذكروا قوله تعالى:
“وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّـهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ” [البقرة: 281].
القسم الأول
أيها الإخوة الكرام، حديثنا اليوم يدور حول عظمة القرآن الكريم، هذا الكتاب المعجز الذي أنزله الله على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- ليكون هداية ونوراً للبشرية جمعاء. إنه المعجزة الخالدة التي بقيت بعد رحيل النبي، بينما انتهت معجزات الأنبياء السابقين بانتهاء حياتهم.
عندما نتأمل تعريف العلماء للقرآن الكريم، نجد أن الإعجاز جزء لا يتجزأ منه. فالقرآن هو كلام الله المعجز بلفظه العربي، الذي أوحى به إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- عن طريق جبريل -عليه السلام-. وهو الكتاب المنقول بالتواتر، المكتوب في المصاحف، الذي نتعبد بتلاوته، ويبدأ بسورة الفاتحة وينتهي بسورة الناس.
إن المعجزة هي أمر خارق للعادة، يأتي مقروناً بالتحدي، ولا يستطيع أحد معارضته، يظهره الله على أيدي رسله. إنها تتجاوز القوانين الطبيعية التي وضعها الله، ولا يمكن الوصول إليها بالجهد البشري، بل هي منحة ربانية يختار الله نوعها وتوقيتها ليثبت صدق رسله.
لقد كانت معجزة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في الكلمة والبيان، لأن العرب في زمنه كانوا يتميزون بالفصاحة والبلاغة. واختيار المعجزة من جنس ما يشتهر به القوم يزيد من قوة الحجة عليهم. ومما زاد هذه المعجزة تألقاً أن النبي كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك أتى بهذا الكتاب المعجز.
لقد تحدى الله العرب والناس جميعاً أن يأتوا بمثله، فقال تعالى:
“قُل لَئِنِ اجتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ عَلى أَن يَأتوا بِمِثلِ هـذَا القُرآنِ لا يَأتونَ بِمِثلِهِ وَلَو كانَ بَعضُهُم لِبَعضٍ ظَهيرًا” [الإسراء: 88].
ثم تحدّاهم أن يأتوا بعشر سور مثله، قال تعالى:
“أَم يَقولونَ افتَراهُ قُل فَأتوا بِعَشرِ سُوَرٍ مِثلِهِ مُفتَرَياتٍ وَادعوا مَنِ استَطَعتُم مِن دونِ اللَّـهِ إِن كُنتُم صادِقينَ” [هود: 13].
ثم تحدّاهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، قال تعالى:
“وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” [البقرة: 23].
ولكنهم عجزوا عن الإتيان بمثله، رغم فصاحتهم وبلاغتهم، مما يدل على إعجاز القرآن الكريم. فالإعجاز البياني هو أول وأكبر مظاهر إعجاز القرآن.
بالإضافة إلى الإعجاز البياني، هناك جوانب أخرى للإعجاز في القرآن الكريم، منها:
الإعجاز في الأخبار المستقبلية
وهو إخبار القرآن عن أمور غيبية في الماضي لم يشهدها من نزل عليهم القرآن، أو في المستقبل، ثم تحدث كما أخبر القرآن، ومن ذلك ما جاء في سورة الروم، قال تعالى:
“غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّـهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّـهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ” [الروم: 2-5].
وقد تحقق هذا الأمر بالفعل.
الإعجاز في القوانين والتشريعات
وهو جانب بارز من جوانب الإعجاز، حيث يتضمن القرآن تشريعات دقيقة وشاملة تتعلق بجميع جوانب الحياة، سواء الخاصة أو العامة. هذه التشريعات فريدة من نوعها، ولم يسبق لها مثيل في أي شريعة سابقة، وتشمل تربية الفرد والأسرة والمجتمع، وتنظيم العلاقات الدولية، وغيرها.
الإعجاز في إشاراته العلمية
ويظهر في جانبين: الأول هو حث القرآن على التفكر والتدبر في الكون، والثاني هو التوافق بين الحقائق العلمية الثابتة وبين آيات القرآن. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى:
“وَأَرسَلنَا الرِّياحَ لَواقِحَ” [الحجر: 22].
وقد أثبت العلم الحديث دور الرياح في تلقيح النباتات.
القسم الثاني
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، على نعمة القرآن الكريم، وعلى أن جعلنا من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
أيها الإخوة الأحباب، لقد وصف علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- القرآن بقوله: “كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة رد، ولا تنقضي عجائبه”.
إن كتاب الله لا يمل من كثرة تكراره، ولا تنتهي عجائبه، وتتجلى جوانب إعجازه في كل كلمة وصورة. لقد أعجز العرب قديماً، ويعجز من بعدهم، وله جوانب إعجاز متعددة، منها الإعجاز البياني، والإعجاز الغيبي، والإعجاز التشريعي، والإعجاز العلمي. علينا أن ننظر إلى القرآن على أنه هدية معجزة لنا، ومصدر ثري بالمعارف التي لم تكتشف بعد، نسأل الله أن يمن علينا بفيض منه وأن يفتح علينا من كنوزه.
الدعاء والابتهال
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.
اللهم اجعل القرآن الكريم نور صدورنا وجلاء همومنا وذهاب غمومنا.
اللهم اهدنا بالقرآن وانفعنا بالقرآن، وانصرنا بالقرآن.
اللهم ارزقنا تلاوة القرآن الكريم على آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يرضيك عنا.
اللهم أعنا على تدبر كتابك وفهمه الفهم الصحيح، واجعله لنا دليلاً ومنهاجاً.
المصادر والمراجع
- سورة الحشر، آية: 18
- مصطفى البغا ومحيى الدين مستو (1418)، الواضح في علوم القرآن (الطبعة 2)، دمشق: دار الكلم الطيب / دار العلوم الانسانية ، صفحة 15.
- مصطفى مسلم (2005)، مباحث في إعجاز القرآن (الطبعة 3)، دمشق: دار القلم ، صفحة 18-19. بتصرّف.
- سورة الإسراء، آية: 88
- سورة هود، آية: 13
- سورة البقرة، آية: 23
- سورة الروم، آية: 2-5
- سورة الحجر، آية: 22
- صلاح الخالدي، مفاتيح للتعامل مع القرآن، صفحة 41. بتصرّف.








