الصحة والطب

برنامج زراعة الكبد في UCLA: تقنية ثورية تزيد عدد الأعضاء المتاحة وتنقذ الأرواح

يواجه الآلاف من مرضى فشل الكبد تحدياً مصيرياً يتمثل في الانتظار الطويل للحصول على عضو جديد. غالبًا ما يعتمد هؤلاء المرضى على توفر كبد مناسب من متبرع متوفٍ، وهو أمر نادر ويخضع لسباق حقيقي مع الزمن.

تقليدياً، يبقى الكبد المتبرع به صالحاً للزراعة لفترة وجيزة بعد استئصاله، مما يجعل عملية النقل سريعة ومعقدة. لحسن الحظ، أحدث برنامج زراعة الكبد في UCLA ثورة حقيقية في هذا المجال بفضل تقنية جديدة ومبتكرة.

تستخدم UCLA الآن “تقنية التروية الدافئة”، وهي طريقة متقدمة تحافظ على الكبد في حالة نشطة ودافئة أثناء النقل. هذه التقنية، التي حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء، تزيد بشكل كبير من عدد الأعضاء المتاحة وتوفر أملاً جديداً للمرضى.

جدول المحتويات:

التحديات التقليدية في زراعة الكبد

نقص الأعضاء والسباق ضد الزمن

تُعد محدودية الأعضاء المتاحة التحدي الأكبر في مجال زراعة الكبد. ينتظر الآلاف من المرضى بفارغ الصبر، لكن فرص الحصول على كبد من متبرع متوفٍ تظل ضئيلة ومحكومة بفترة صلاحية قصيرة جداً.

هذا الوضع يخلق سباقاً حقيقياً مع الزمن، حيث يجب نقل الكبد المستأصل بسرعة فائقة لضمان بقائه صالحاً للزراعة. بالإضافة إلى ذلك، بينما يُعد التبرع بجزء من الكبد من متبرع حي خياراً، فإنه أقل شيوعاً ويتطلب توافقاً صحياً دقيقاً.

قيود النقل بالتبريد

عادةً ما تعتمد عمليات نقل الكبد المتبرع به من المتوفين على طريقة التبريد، حيث يُحفظ العضو في حافظة مبردة عند 4 درجات مئوية. تمنح هذه الطريقة الكبد فترة صلاحية تتراوح بين 10 إلى 12 ساعة خارج الجسم.

خلال فترة التبريد هذه، يوضح الدكتور دوغلاس فارمر، رئيس قسم زراعة الكبد والبنكرياس في UCLA Health: “نُبطئ النشاط الأيضي للكبد للحفاظ عليه في حالة قابلة للزراعة، ولكن لا يصل إليه الأكسجين أو الدم أو التغذية.

على الرغم من أن التخزين البارد خدم عمليات نقل الأعضاء لعقود، إلا أنه كان يعاني من قيود كبيرة. فكثير من الأكباد المتبرع بها لم تكن مناسبة للزراعة، وكان العضو يتلف بسرعة إذا لم يُزرع ضمن الإطار الزمني الضيق المسموح به.

تقنية التروية الدافئة: حل ثوري

كيف تعمل تقنية التروية الدافئة؟

على النقيض تماماً من التبريد، تعمل تقنية التروية الدافئة على إبقاء الكبد في حالة وظيفية نشطة تحاكي وجوده داخل الجسم. تُحقق هذه التقنية ذلك عبر ضخ دم محمل بالأكسجين والمغذيات عند درجة حرارة 37 درجة مئوية، وهي درجة حرارة الجسم الطبيعية.

هذا الأسلوب المبتكر لا يطيل فقط من فترة صلاحية الكبد، بل يساهم أيضاً في الحفاظ على حيويته ووظيفته قبل الزراعة، مما يمثل نقلة نوعية في مجال زراعة الأعضاء.

دور UCLA في تطوير التقنية

في البداية، طُورت تقنية التروية الدافئة لتحسين عمليات نقل القلوب والرئات المتبرع بها، حيث كانت فترة صلاحيتها بالتبريد لا تتجاوز بضع ساعات. وقد أثبتت فعاليتها في إطالة هذه الفترات بشكل كبير.

لعبت UCLA Health دوراً محورياً في التجارب السريرية التي أجرتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لتقييم فعالية التروية الدافئة. بعد حصولها على الموافقة الرسمية، استمرت UCLA في تبني هذه التقنية، وتواصل مشاركتها في أبحاث إضافية لتعزيز استخدامها.

زيادة عدد الأكباد المتاحة: تغيير قواعد اللعبة

توسيع مصادر التبرع

بالإضافة إلى إطالة فترة صلاحية الكبد، تقدم تقنية التروية الدافئة فائدة حاسمة: زيادة عدد الأعضاء المتاحة للزراعة. هذا أمر حيوي، حيث أن الطلب على الكبد يفوق بكثير عدد المتبرعين.

تقليدياً، تأتي معظم الأكباد من متبرعين متوفين دماغياً، حيث تظل الأعضاء في حالة وظيفية نشطة. لكن معظم الوفيات تحدث بسبب توقف عضلة القلب، مما كان يجعل أكباد هؤلاء المتبرعين غير صالحة للزراعة.

يوضح الدكتور فارمر أن “مضاعفات زراعة الكبد من متبرع متوفى قلبياً كانت أعلى بكثير في السابق، مما كان يحد من استخدام هذه الأكباد حتى لو كان المتوفى قد وافق على التبرع بأعضائه.” لكن التروية الدافئة غيرت هذه المعادلة.

تقليل مخاطر زراعة الكبد من متبرعين بوفاة قلبية

الأكباد المأخوذة من المتوفين بوفاة قلبية تحمل مخاطر أعلى، أبرزها “اعتلال الأقنية الصفراوية الإقفاري”، وهو تلف خطير في القنوات الصفراوية يحدث بسبب انقطاع التروية الدموية. هذا الاعتلال قد يؤدي إلى فشل الكبد المزروع.

يوضح الدكتور فارمر مدى خطورة ذلك: “يحدث اعتلال الأقنية الصفراوية الإقفاري لدى أقل من 1% من المتبرعين بوفاة دماغية، بينما يرتفع إلى 30-50% في حالات المتبرعين بوفاة قلبية.” هذا جعل المرضى يترددون في قبول هذه الأكباد.

نتيجة للمخاطر العالية، كان فريق الزراعة حذراً للغاية في استخدام الأكباد من المتبرعين بوفاة قلبية. أدت هذه القيود إلى فترات انتظار أطول للمرضى، وقد فقد بعضهم حياته قبل أن تتاح له فرصة الزراعة.

هنا تبرز قوة تقنية التروية الدافئة، فقد نجحت في تقليل نسبة اعتلال الأقنية الصفراوية الإقفاري من المتبرعين بوفاة قلبية إلى 1% فقط، لتصبح مماثلة لتلك الناتجة عن المتبرعين بوفاة دماغية. هذا الإنجاز يعادل فرص الزراعة بشكل جذري.

في عام 2024، استخدم برنامج زراعة الكبد في UCLA تقنية التروية الدافئة في 59 عملية زراعة، كان 23 منها من متبرعين بوفاة قلبية، مما يؤكد فعاليتها في توسيع مصادر الأعضاء بشكل آمن.

متى تستخدم UCLA تقنية التروية الدافئة؟

حالات الكبد المعرضة للمخاطر

بما أن تقنية التروية الدافئة لا تزال حديثة نسبياً، يطبق برنامج زراعة الكبد في UCLA هذه التقنية في الحالات التي تنطوي على مخاطر إضافية عند استخدام طرق التخزين التقليدية.

يوضح الدكتور فارمر: “إذا كان الكبد المتبرع به بحالة ممتازة من متبرع شاب، ويمكن نقله خلال أقل من 12 ساعة، فإن التبريد التقليدي يظل كافياً.” ولكن الوضع يختلف في الحالات المعقدة.

عندما تكون هناك عوامل خطر، مثل كبر سن المتبرع أو وجود مشكلات صحية تؤثر على جودة الكبد، تبرز أهمية التروية الدافئة. يستخدم الفريق هذه التقنية لإنعاش الكبد وتقييم وظيفته بدقة قبل الزراعة.

إذا أظهر الكبد أداءً جيداً، يستمر الفريق في عملية الزراعة. أما إذا لم يكن يعمل بالشكل المطلوب، يتم التخلص منه، مما يضمن أقصى درجات الأمان للمريض ويقلل بشكل كبير من مخاطر فشل الزراعة.

فائدة للمرضى ذوي الظروف المعقدة

لا تقتصر فائدة التروية الدافئة على جودة الكبد المتبرع به، بل تمتد لتشمل المرضى أنفسهم، وخاصة أولئك الذين يعانون من ظروف معقدة.

يشير الدكتور فارمر إلى أن “بعض المرضى يحتاجون وقتاً أطول أثناء الجراحة لإزالة الكبد القديم وزراعة الجديد،” وهذا ينطبق على المرضى الذين يخضعون لإجراءات جراحية إضافية، مثل عمليات القلب، أو الذين أجروا زراعة كبد سابقة.

في مثل هذه الحالات المعقدة التي تتطلب وقتاً جراحياً أطول، تلعب تقنية التروية الدافئة دوراً حيوياً في الحفاظ على الكبد المتبرع به حيوياً ونشطاً طوال فترة الجراحة، مما يزيد من فرص نجاح العملية.

المستقبل الواعد لزراعة الكبد

يختتم الدكتور فارمر حديثه بتأكيد أن “تقنية التروية الدافئة هي تقنية ثورية، ومن المتوقع أن يتسع استخدامها بشكل كبير خلال السنوات القادمة.

يستكشف الباحثون في UCLA حالياً إمكانية استخدام أكباد من متبرعين لديهم عوامل خطر أعلى. الهدف هو معرفة ما إذا كان جهاز التروية الدافئة يمكن أن يجعل هذه الأعضاء أكثر أماناً وفعالية للزراعة.

بفضل هذه التقنية المبتكرة، يمكن “إنعاش الكبد وتحقيق استقرار في وظيفته الخلوية خارج الجسم، ثم زراعته وهو في أفضل حالاته الوظيفية.” هذا يفتح آفاقاً جديدة لإنقاذ حياة المزيد من المرضى.

لقد أحدث برنامج زراعة الكبد في UCLA نقلة نوعية في مجال زراعة الأعضاء بفضل تقنية التروية الدافئة. هذه التقنية لا تزيد فقط من عدد الأكباد المتاحة للزراعة، بل تقلل أيضاً من المخاطر المرتبطة بالأعضاء التي كانت تُعتبر غير مناسبة سابقاً، وتقدم أملاً حقيقياً لمرضى فشل الكبد.

مع استمرار التطور والبحث، من المرجح أن تصبح التروية الدافئة جزءاً لا يتجزأ من ممارسات زراعة الأعضاء حول العالم، مما يفتح الباب أمام مستقبل أكثر إشراقاً للمرضى الذين ينتظرون فرصة جديدة للحياة.

بقلم
رائد قاسم

كاتب متعاون يغطي السفر والثقافة والشؤون الراهنة من منطقة الشرق الأوسط.