مقدمة
تعتبر الصخور أحد المكونات الأساسية للقشرة الأرضية، وتتنوع أنواعها وخصائصها بشكل كبير. من بين هذه الأنواع، تبرز الصخور النارية والصخور الرسوبية كأكثرها شيوعًا وأهمية. يتميز كل نوع منهما بخصائص فريدة وطريقة تكوين مختلفة، مما يؤثر على استخداماته وأهميته في مختلف المجالات. تهدف هذه المقالة إلى استعراض أبرز الفروق بين هذين النوعين من الصخور، بدءًا من التعريف والتكوين، وصولًا إلى أماكن التواجد والتركيب المعدني.
تعريف وأنواع كل صنف
الصخور النارية: (بالإنجليزية: Igneous Rocks) هي الصخور التي تنشأ نتيجة لتصلب وتبريد الصهارة المنصهرة (الماجما) سواء في باطن الأرض أو على سطحها. ونتيجة لهذا الأصل البركاني، يُطلق عليها أحيانًا “الصخور البركانية”. تتكون الصهارة من الذوبان الجزئي للصخور الموجودة تحت سطح الأرض أو على قشرتها، وتحدث هذه العملية بسبب ارتفاع درجة الحرارة، أو انخفاض الضغط، أو تغيرات في التركيب الكيميائي. إذا تصلبت الصهارة تحت سطح الأرض، تتشكل الصخور النارية الجوفية، أما إذا تصلبت على السطح، فتتشكل الصخور النارية السطحية. يمكن أن تتكون هذه الصخور عبر التبلور، مما يؤدي إلى تكوين صخور ذات حبيبات بلورية، أو قد تتشكل دون تبلور.
تشكل الصخور النارية والمتحولة حوالي 90% من حجم قشرة الأرض، وتتكون معظم قشور المحيطات من الصخور النارية.
الصخور الرسوبية: (بالإنجليزية: Sedimentary Rocks) تتشكل نتيجة لتراكم وتصلب الرواسب. تبدأ العملية بتفتت الصخور الموجودة بفعل العوامل الجوية كالرياح والمياه، وتتحول إلى حبيبات صغيرة تسمى “رواسب”. تنتقل هذه الرواسب بواسطة المياه أو الرياح وتترسب في أماكن مختلفة، غالبًا على شكل طبقات رقيقة. مع مرور الوقت، تتماسك هذه الطبقات وتتصلب لتشكل الصخور الرسوبية.
تتميز الصخور الرسوبية بطبقاتها الواضحة، وغالبًا ما تتكون تحت الماء في البحار والمحيطات. تحتوي عادةً على مسامات لأنها تتكون من الرواسب. من الأمثلة على الصخور الرسوبية: الصخر الزيتي، والحجر الرملي، والحجر الجيري، والفحم. تتميز أيضًا بتنوع ألوانها وغناها بالأحافير، وهي بقايا الحيوانات والنباتات المحفوظة في الصخور.
آلية التشكل
كما ذكرنا سابقًا، تتشكل الصخور النارية عبر تبريد وتصلب الصهارة المنصهرة (الماجما) سواء تحت سطح الأرض أو على سطحها. قد تتكون مع أو بدون عملية التبلور، وتصنف تبعًا لمكان التصلب إلى صخور نارية جوفية أو صخور نارية سطحية.
أما الصخور الرسوبية، فتتكون من تراكم المواد على سطح الأرض أو داخل المسطحات المائية. الترسيب هو العملية التي تؤدي إلى تراكم الحبيبات المعدنية والعضوية، أو ترسيب المعادن الذائبة في مياه البحار والمحيطات.
تتميز الصخور النارية بكونها غير مسامية (غير منفذة للماء)، بينما تكون الصخور الرسوبية ذات مسامية عالية، مما يسمح للماء باختراقها. كما أن الصخور النارية نادرًا ما تحتوي على أحافير، في حين أن الصخور الرسوبية غنية بها. غالبًا ما تكون الصخور الرسوبية أكثر تفاعلاً مع الأحماض من الصخور النارية، وتتميز بتنوع ألوانها، بينما تكون الصخور النارية ذات ألوان فاتحة أو داكنة.
أماكن وجودها في القشرة الأرضية
تتواجد الصخور الرسوبية بنسبة تقدر بـ8% من الحجم الإجمالي للقشرة الأرضية، بينما تشكل الصخور النارية والصخور المتحولة الغالبية العظمى، حيث تمثلان ما نسبته 90-95% من حجم القشرة الأرضية.
التركيب المعدني
يتم تصنيف الصخور النارية بناءً على محتواها من السيليكون إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
- الصخور النارية الفلسية: (بالإنجليزية: Felsic Igneous rock) تحتوي على نسبة عالية من السيليكون ومعادن مثل الكوارتز والفلسبار القلوي والفلسبثويد. تتميز بلونها الفاتح وكثافتها المنخفضة، ومن أمثلتها الجرانيت والريوليت.
- الصخور النارية المافيك: (بالإنجليزية: mafic Igneous rock) تحتوي على نسبة أقل من السيليكون مقارنة بالصخور الفلسية، وتحتوي على معادن المافيك والبيروكسين والزبرجد الزيتوني والبلاجيوجلاز الكلسي. تتميز بلونها الداكن وكثافتها العالية، ومن أمثلتها البازلت والجابرو.
- صخور الألترامافيك: (بالإنجليزية: ultramafic rock) تحتوي على أقل نسبة من السيليكون بين الصخور النارية.
تحتوي معظم الصخور الرسوبية على الكوارتز أو الكالسيت (خاصة صخور الكربونات). على عكس الصخور النارية والمتحولة، تحتوي الصخور الرسوبية عادة على عدد قليل جدًا من المعادن الرئيسية المختلفة. يمكن أن تتكون المعادن في الصخور الرسوبية بطريقتين:
- عن طريق ترسيب ذرات وجزيئات المعادن أثناء عملية الترسيب أو التكوّن.
- قد يكون الراسب المعدني قد تكون خلال حقب زمنية قديمة.
وجود المستحاثات
توجد الأحافير بشكل واضح في الصخور الرسوبية، بينما نادراً ما توجد في الصخور النارية والمتحولة. ويرجع ذلك إلى أن الصخور الرسوبية تتشكل في درجات حرارة وضغط لا تدمر البقايا الأحفورية. غالبًا ما تكون هذه الأحافير مرئية فقط عند دراستها تحت المجهر (أحافير دقيقة) أو باستخدام العدسة المكبرة.
هيكلية الصخور
يمكن تقسيم الصخور الرسوبية من حيث التركيب إلى تراكيب أولية تشكلت أثناء الترسيب، وتراكيب ثانوية تشكلت بعد الترسيب. هذه التراكيب تشمل خصائص متنوعة يمكن دراستها بسهولة.
أما الصخور النارية، فهي تشمل مجموعة واسعة من الخصائص التي تعتمد على عوامل متعددة، مثل:
- تكوين الصهارة البركانية.
- لزوجة الصهارة البركانية.
- درجة الحرارة والضغط أثناء التبريد والتصلب.
- وجود الغازات والمواد المتطايرة الأخرى.
أساليب التصنيف
تصنف الصخور النارية وفقًا لطريقة تكوينها، وملمسها، والمعادن التي تحتويها، والتركيب الكيميائي لها، وشكل الجسم البركاني.
أما الصخور الرسوبية، فتصنف بناءً على العمليات التي أدت إلى تكوينها، ويمكن تقسيمها إلى أربع مجموعات رئيسية:
- الصخور الرسوبية الصخرية.
- الصخور الرسوبية البيوكيميائية (أو البيولوجية).
- الصخور الرسوبية الكيميائية.
- الصخور الرسوبية “الأخرى” التي تكونت بفعل التأثيرات والبراكين وعمليات ثانوية أخرى.
الأهمية والاستخدامات
تحتوي الصخور الرسوبية على رواسب كبيرة من رواسب خام سيديكس، والتي تتكون من الرصاص والزنك والفضة، بالإضافة إلى رواسب كبيرة من النحاس ورواسب من الذهب والتنغستن واليورانيوم والعديد من المعادن الثمينة الأخرى والأحجار الكريمة والمعادن الصناعية بما في ذلك رواسب خام المعادن الثقيلة.
تعتمد الجيولوجيا البترولية على قدرة الصخور الرسوبية على توليد رواسب من الزيوت البترولية. كما تم العثور على صخر الفحم والزيت الصخري في الصخور الرسوبية. توجد نسبة كبيرة من الطاقة المستخرجة من اليورانيوم في العالم ضمن تتابعات رسوبية. كما تحتوي الصخور الرسوبية على نسبة كبيرة من المياه الجوفية، حيث يعتمد تحديد وجود هذه المياه وتحديد كميتها وطريقة استخراجها والاستفادة منها على درجة معرفة الجهات المهنية بالصخور التي تحتفظ بالماء.
تستخدم العديد من أنواع الصخور النارية في أحجار البناء وأحجار واجهة البناء ومواد زخرفية، مثل تلك المستخدمة في أسطح الطاولات وألواح التقطيع والأشكال المنحوتة. يستخدم الخفاف (بالإنجليزية: Pumice) كمادة كاشطة في صابون اليد وألواح الصنفرة وما إلى ذلك.
قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19].
وفي الحديث الشريف: “لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ” [صحيح مسلم].
خلاصة
في الختام، يتبين أن الصخور النارية والصخور الرسوبية تختلفان اختلافًا جوهريًا في طريقة التكوين، والتركيب المعدني، وأماكن التواجد، والاستخدامات. فهم هذه الفروق يساعدنا على فهم أفضل لتكوين كوكبنا وتاريخه الجيولوجي، كما يمكننا من الاستفادة من هذه الموارد الطبيعية بشكل مستدام وفعال.
