مقدمة حول الشاعر
هو أبو الفضل محمد بن سليمان التلمساني، المعروف بـ “الشاب الظريف”، وهو شاعر عاش في القرن السابع الهجري. كان والده أبو الربيع عفيف الدين سليمان بن علي يتولى منصبًا في دمشق، حيث نشأ وترعرع الشاب الظريف. اشتهر برقّة شعره وإحساسه المرهف، مما جعله محط إعجاب الأدباء وعامة الناس.
سبب تسميته بالشاعر الظريف
اكتسب التلمساني هذا اللقب لما تميز به شعره من رقة وعذوبة، وما اتصف به طبعه من لين ووداعة. يُقال أيضاً أن ميوله إلى أشعار المجون والغزل بالنساء والفتيان ساهمت في شيوع هذا اللقب عليه. وقد علق والده على هذا الأمر قائلاً أن هذا الانصراف نحو هذا النوع من الشعر ربما يكون وسيلة لكي يكون صوفيًا على الطريقة الملامتية، أي إظهار الفجور وإبطان التقوى.
لمحات من حياته الخاصة
كما ذكرنا، وُلد الشاب الظريف في القاهرة، لكنه انتقل مع والده إلى دمشق بسبب عمل الوالد. قضى معظم حياته في دمشق، مستفيدًا من بيئتها الأدبية والثقافية. لم تذكر المصادر تفاصيل كثيرة عن حياته الشخصية، ربما لقصر الفترة التي عاشها، أو لعدم تركيز المؤرخين على الجوانب الشخصية في تلك الفترة.
مسيرته التعليمية وتكوينه الثقافي
حرص الشاب الظريف على حضور المجالس العلمية مع والده. درس كتاب “المنهاج” على يد مؤلفه ابن شرف النووي، وحصل منهما على إجازة. كما تتلمذ على يد القاضي محيي الدين النحاس، الذي ذكره في بعض أبياته الشعرية. استفاد أيضاً من الأثير الحلبي، الفقيه المهتم بالتأريخ. وقد وصفه الصفدي بأنه “شاعر مجيد بن شاعر مجيد، وكان فيه لعب وعشرة وانخلاع ومجون”. وأثنى عليه ابن تغري بردي قائلاً: “كان شابًا فاضلًا ظريفًا وشعره في غاية الحسن والجودة”.
رحيله عن الدنيا
توفي الشاب الظريف في عام 688 هـ، وهو في مقتبل العمر، حيث لم يتجاوز السابعة والعشرين. دُفن في مقابر الصوفية بدمشق. كان وحيد والديه، مما زاد من حزن والده عليه، خاصة أنه كان قد فقد أخاه قبل وفاة ابنه بفترة قصيرة.
أشعاره في حب النبي صلى الله عليه وسلم
تضمن ديوان الشاب الظريف مجموعة من الأبيات في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، منها:
فَمَا زَالَ نُورُ المُصْطَفَى لائِحًا لَنَا:::عَلَيْهَا وَأَعْلامُ الحِمَى تَتَشَخَّصُ
وَنَحْنُ إِذَا مَا قَدْ بَدَا عَلَمٌ غَدَا:::لَنَا مُطْرِبٌ مِنْ أَجْلِ ذَاكَ وَمُرْقِصُ
وَقَالُوا غَداً نَأْتِي دِيَارَ مُحَمَّدٍ:::فَقُلْتُ لَهُمْ هَذَا الَّذي عَنْهُ أَفْحَصُ
أَنيخُوا فَمَا بَالُ الرّكُوبِ وَإِنَّها:::عَلى الرَّأْسِ تَمْشِي أَوْ عَلَى العَيْنِ تَشْخصُ
أَلَيْسَ الَّذي لَوْلاهُ لَمْ يَنْجُ مُذْنِبٌ:::وَلا كَانَ مِنْ نَارِ الجَحِيمِ يُخَلَّصُ
نَبيٌّ لَهُ آياتُ صِدْقٍ تَبَيَّنَتْ:::فَكُلُّ حَسُودٍ عِنْدَهَا يَتَنغَّصُ
أَغاثَ بِرُحْمَاهُ الغَزَالَةَ إِذْ شَكَتْ:::وَكَانَ لَهَا في ذَاكَ غَوْثٌ وَمَخْلَصُ
نَبِيٌّ بِأَمْلاكِ السَّماءِ مُؤَيَّدٌ:::وَبِالمُعْجِزاتِ البيِّناتِ مُخَصَّصُ
نماذج من أشعاره الغزلية
أبدع الشاب الظريف في أشعار الغزل، ومنها هذه الأبيات:
يا رَاقِدَ الطَرْفِ ما لِلطَّرْفِ إغفاءُ:::حَدّثْ بِذاكَ فما في الحُبِّ إخْفاءُ
إنَّ اللَّياليَ وَالأيَّامَ مِنْ غَزَلي:::في الحُسْنِ والحُبّ أَبْناءٌ وأَنباءُ
إذْ كلّ نافرةٍ في الحُبّ آنِسةٌ:::وَكُلّ مَائِسَةٍ في الحَيِّ خَضْراءُ
وَصَفْوَةُ الدَّهْرِ بَحْرٌ والصّبا سُفُنٌ:::وَللِخلاعَةِ إرْساءٌ وإسْراءُ
يا ساكِني مِصْر شَمْلُ الشَّوْقِ مُجْتَمِعٌ:::بَعْدَ الفِراقِ وَشَمْلُ الوَصْلِ أَجْزاءُ
كأنّ عَصْرَ الصِّبا مِنْ بَعْدِ فُرْقَتِكُمْ:::عَصْرُ التّصابي بِهِ لِلّهْوِ إِبْطاءُ
نارَ الهَوَى لَيْس يَخْشَى مِنْكِ قُلْبُ فَتىً:::يكونُ فيهِ لإبراهيمَ أَرْجَاءُ
أشهر قصائده
على الرغم من قصر حياته، ترك الشاب الظريف بصمة واضحة في الشعر العربي، ومن أشهر قصائده:
قصيدة يا ذا القمر المنير في الآفاق
قصيدة قصيرة ولكنها بليغة في وصف جمال المحبوب:
يا ذَا القَمَرُ المُنيرُ في الآفاقِ:::الصَّبْرُ فُنِي فِيكَ وَوَجْدِي باقِ
كَمْ تَلْسَعني عَقْرَبُ صُدْغَيْكَ عَسَى:::أَنْ تَسْمَحَ لي مِنْ فِيكَ بالدّرْياقِ