تقديم للآية الكريمة
تتضمن سورة فاطر في طياتها آية عظيمة تجسد مشاعر أهل الجنة، وهي قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. هذه الآية الكريمة تجسد حالة من الصفاء والراحة التي ينعم بها المؤمنون في دار الخلد، بعد أن منّ الله عليهم بالجنة ونعيمها. إن التأمل في مشاهد أهل الجنة والنار التي يذكرها القرآن الكريم يدعونا إلى التفكر والاعتبار، ويدفعنا إلى العمل الصالح لنكون من الفائزين بالجنة.
شرح وتوضيح الآية
الآية (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) تتضمن حمدًا وشكرًا لله عز وجل من قبل أهل الجنة. هذا الحمد يأتي بعد أن أكرمهم الله بدخول الجنة، حيث لا خوف ولا حزن، بل نعيم دائم ورضا من الله. إن هذه الآية تعكس الفارق الكبير بين حال المؤمن في الدنيا، حيث يعتريه الخوف والقلق والحزن، وحاله في الآخرة، حيث الأمن والسلام والاطمئنان.
دلالات الكلمات اللغوية
معنى “الحمد لله”
“الْحَمْدُ لِلَّـهِ” يعني الثناء الكامل على الله تعالى بصفاته الحميدة وأفعاله الجليلة، وهو تكرار للثناء والمدح المستحق لله وحده. وهو أخص من المدح، وأعم من الشكر.[٢]
معنى “الحزن”
“الْحَزَنَ” في اللغة هو الشعور بالغم والضيق، وهو يضاد الفرح والسرور. ويعبر عن حالة من الانقباض النفسي. الأصل فيها خشونة في الأرض، ومن ثم نقل المعنى إلى خشونة في النفس لما يحصل فيه من الغمّ، ويضادّه الفرح، ولاعتبار الخشونة بالغم قيل: خشّنت بصدره: إذا حزنته.[٣]
المغزى العام للآية
الآية الكريمة تصور مشهدًا من مشاهد النعيم في الجنة، حيث يحمد أهل الجنة ربهم على ما أنعم به عليهم من النعيم المقيم. هذا الحمد يعبر عن امتنانهم لله على إذهاب الحزن والخوف والقلق الذي كان يصاحبهم في الدنيا. إنهم في الجنة في أمان ورضا، ينعمون بالخيرات والمسرات التي لا تنقطع.
اختلف العلماء في تحديد المقصود بالحزن الذي أذهبه الله عن أهل الجنة، وذكروا عدة أقوال:
- الخوف من النار: فالنجاة من عذاب النار هي من أعظم النعم التي ينعم بها المؤمن.
- الخوف من الموت: ففي الجنة لا موت ولا فناء، بل حياة أبدية.
- حزن الخبز: أي الخوف من الفقر والحاجة، ففي الجنة كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
- الحزن الذي ينال الظالم لنفسه في موقف القيامة.
والراجح أن الحمد شامل لجميع أنواع الحزن والغم، فالله تعالى قد أذهب عنهم كل ما يكدر صفو نعيمهم. والأولى في ذلك بالصواب أن حمد هؤلاء القوم الذين أكرمهم بما أكرمهم به أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)، فخوف دخول النار من الحزن، والجزع من الموت من الحزن، والجزع من الحاجة إلى المطعم من الحزن، وعليه فلم يكن التخصيص في الحمد لنوع دون نوع، بل فيه تعميم لجميع أنواع الحزن بقولهم ذلك، وبهذا يتجلى معنى الآية، وهو أن الدار الآخرة لا يوجد فيها أدنى شيء ينغص نعيم أهل الجنة، فهناك النعيم الدائم الذي لا تشوبه الأحزان ولا الأكدار.[٥]
المراجع
- سورة فاطر، آية: 34
- الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، صفحة 256. بتصرّف.
- اللراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، صفحة 231. بتصرّف.
- أحمد حطيبة، تفسير أحمد حطيبة، صفحة 254. بتصرّف.
- إسلام ويب،”القول في تأويل قوله تعالى : ( جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ( 33 ) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ( 34 ) )”، إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 14/1/2022. بتصرّف.
