أسماء الإشارة: قربها وبعدها في كلام الله
تنقسم أسماء الإشارة في اللغة العربية، كما وردت في القرآن الكريم، إلى قسمين رئيسيين: قسم يشير إلى ما هو قريب، وقسم آخر يدل على ما هو بعيد.[1] ويُلاحظ استخدام هذه الأسماء بشكل دقيق لتعزيز المعنى وتوضيح الصورة في آيات الذكر الحكيم. فمثلاً، يقول الله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ)[2]. هنا، يدلّ اسم الإشارة “ذلك” على بعد القرآن الكريم، مُشيراً إلى عظمته وشموخه.[3] وكذلك قوله تعالى: (أُولَـئِكَ عَلى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[4]، حيث يُشير “أولئك” إلى بعد ورفعة منزلة المفلحين.[3] سنستعرض فيما يلي تفاصيل أكثر حول هذه الأسماء ودلالاتها المتنوعة.
دلالات أسماء الإشارة بدون هاء التنبيه
يُلاحظ أن هاء التنبيه في أسماء الإشارة حرف زائد، يجوز إثباته أو حذفه.[5] فلننظر إلى بعض الأمثلة:
ذا و ذي
“ذا” يشير إلى المفرد المذكر، وهو مبنيٌّ، ويكون في محلّ رفع أو نصب أو جر بحسب موقعه في الجملة.[6] وقد سبق “ذا” الاسم الموصول “من” في خمسة مواضع في القرآن الكريم، منها: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا)[8]. أما “ذي” فيشير إلى المؤنث القريب، وهو من الأسماء الخمسة،[13] ولكنه لم يرد في القرآن الكريم بهذا المعنى، بل ورد بمعنى “صاحب”.
أولاء و ثَمَّ
“أولاء” يشير إلى الجمع، مذّكراً كان أو مؤنّثاً، عاقلاً أو غير عاقل، لكن استخدامه للعاقل أكثر شيوعاً. وهو مبنيٌّ على الكسر، ويُعرب حسب موقعه في الجملة.[14] وقد ورد في القرآن الكريم في موضعين على سبيل المثال لا الحصر: (هَا أَنتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ)[16]. أما “ثَمَّ” فيشير إلى المكان البعيد، بمعنى “هناك”.[18] وهو مبنيٌّ على الفتح في محل نصب ظرف مكان، وورد في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم، مثل: (وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ)[20].
أسماء الإشارة مع هاء التنبيه: توضيح وتأكيد
تُستخدم أسماء الإشارة مع هاء التنبيه بكثرة في القرآن الكريم لتأكيد المعنى وبيان المقصود. سنقدم بعض الأمثلة:
هذا و هذه
“هذا” يشير إلى المفرد المذكر، وقد دخلت عليه الهاء للتنبيه.[23] ورد في القرآن الكريم أكثر من مئتي مرة، منها: (رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا بَلَدًا آمِنًا)[24]. أما “هذه” فتشير إلى المفرد المؤنث، ودخلت عليها الهاء للتنبيه.[27] وقد وردت في مواضع متعددة، مثل: (وَلَا تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ)[28].
هذان و هاتان
“هذان” يشير إلى المثنى المذكر، ودخلت عليه الهاء للتنبيه.[31] وقد ورد في موضعين في القرآن الكريم، مثال ذلك: (قالوا إِن هـذانِ لَساحِرانِ)[32]. “هاتان” تشير إلى المثنى المؤنث، ودخلت عليها الهاء للتنبيه.[31] وقد وردت في موضع واحد: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ)[34].
هؤلاء و هَهُنا
“هؤلاء” يشير إلى الجمع، ودخلت الهاء للتنبيه.[35] وقد ورد في القرآن الكريم أكثر من مرة، مثل: (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَـؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)[36]. “ههنا” يشير إلى المكان القريب، وهو مسبوق بـ”ها”.[39] وقد ورد في عدة مواضع، مثل: (يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا)[40].
كاف الخطاب مع أسماء الإشارة: مخاطبة مباشرة
تُلاحظ اقتران كاف الخطاب بأسماء الإشارة في العديد من آيات القرآن الكريم، مُشكّلةً أسلوباً مباشراً في الخطاب. نعرض هنا بعض الأمثلة:
أولئك و ذانك
“أولئك” يشير إلى الجمع المذكر، وهو جمع “ذاك”.[44] وقد ورد في القرآن الكريم مرات عديدة، مثل: (أُولَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[45]. أما “ذانك” فيشير إلى المثنى المذكر القريب.[48] وقد ورد مرة واحدة في القرآن الكريم: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)[49].
خاتمة: رحلة في عالم أسماء الإشارة القرآنية
يظهر من خلال هذا الاستعراض أن أسماء الإشارة في القرآن الكريم ليست مجرد أدوات نحوية بسيطة، بل هي أدوات بلاغية دقيقة تُستخدم لتعزيز المعنى، وتوضيح المقصود، وإضفاء جمال على النص القرآني. فقد أجاد القرآن في استخدامها بما يناسب المقام والسياق، مُظهرًا دقة التعبير وفصاحة اللغة العربية.