مقدمة
عندما يواجه الإنسان لحظات الموت، يصبح التذكير بالشهادتين وبأساسيات العقيدة الإسلامية أمراً بالغ الأهمية. هذا المقال يسعى إلى إلقاء الضوء على الأحكام الشرعية المتعلقة بتذكير المتوفى بالشهادة، سواء في لحظات الاحتضار أو بعد الدفن، مع عرض آراء الفقهاء المختلفة في هذا الشأن. الهدف هو تقديم توجيه واضح ومستند إلى الأدلة الشرعية، لمساعدة المسلمين على فهم هذه المسألة الهامة.
تذكير المحتضر بالشهادتين
يتفق علماء المسلمين على استحباب تذكير الشخص المحتضر، الذي اقترب أجله، بكلمة التوحيد “لا إله إلا الله”. يهدف هذا التذكير إلى أن تكون الشهادة آخر ما ينطق به في هذه الدنيا، تأسياً بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
“لَقِّنوا موتاكم لا إلهَ إلا اللهُ، فإنَّ مَن كان آخرَ كلامِه لا إلهَ إلا اللهُ عند الموتِ دخلَ الجنةَ يومَا الدَّهرِ، وإن أصابَه قبلَ ذلك ما أصابَه.” [رواه الألباني في صحيح الجامع]
يفهم جمهور العلماء من هذا الحديث أن التذكير المقصود هو الذي يتم في لحظات الاحتضار. وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حاول تلقين عمه أبا طالب كلمة التوحيد عند احتضاره، لكنه رفض وأصر على البقاء على دين عبد المطلب.
تذكير المتوفى بعد الدفن: آراء فقهية
من الجدير بالذكر أن السنة النبوية تحث على الوقوف عند قبر المتوفى بعد الدفن والدعاء له بالمغفرة والرحمة والثبات عند سؤال الملكين. فقد ثبت عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- أنه قال:
“كانَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا فرغَ مِن دفنِ الميِّتِ وقفَ علَيهِ، فقالَ: استغفِروا لأخيكُم، وسَلوا لَهُ التَّثبيتَ، فإنَّهُ الآنَ يُسأَلُ.” [رواه الألباني في صحيح أبي داود]
أما بالنسبة لتذكير المتوفى بعد الدفن مباشرة، فقد اختلفت آراء العلماء في حكمه على النحو التالي:
- الحنفية والمالكية: يرون كراهة تذكير الميت بعد الدفن، ويقتصر المشروع بعد الدفن على الدعاء له بالمغفرة والرحمة والثبات عند السؤال، استناداً إلى الحديث السابق.
-
الشافعية والحنابلة: يستحبون تذكير الميت بعد الدفن، ويستدلون بحديث ضعيف روي عن أبي أمامة، وفيه:
“إذا أنا متُّ فاصنعوا بي كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات أحد من إخوانكم فسوّيتم التراب على قبره؛ فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فيقول: أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون. فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبيّاً وبالقرآن إماماً. فإن منكراً ونكيراً يأخذ كل واحد بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لُقِّن حُجَّته؟!) فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه، قال: (ينسبه إلى أمه حواء: يا فلان بن حواء)”
على الرغم من ضعف هذا الحديث، إلا أنهم يرون جواز العمل به لسببين:
- يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
- يتقوى الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة التي تثبت سماع الميت في قبره، ومنها قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
“العَبْدُ إذَا وُضِعَ في قَبْرِهِ، وتُوُلِّيَ وذَهَبَ أصْحَابُهُ حتَّى إنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ” [رواه البخاري في صحيح البخاري]
وقوله -صلى الله عليه وسلّم-:
“ما مِن أحدٍ يَمُرُّ على قبرِ أخيه المؤمنِ فيُسَلِّمُ عليه إلا عَرَفَه، وردَّ عليه” [رواه الشوكاني في نيل الأوطار].
ويرون أن الميت في تلك اللحظات يكون في أمس الحاجة لسماع كلمات التلقين والشهادتين.
خلاصة
يتضح من خلال استعراض آراء العلماء أن تذكير المحتضر بالشهادتين أمر مستحب باتفاقهم، بينما يختلفون في حكم تذكير المتوفى بعد الدفن. ومع ذلك، فإن الدعاء للميت بالرحمة والمغفرة والثبات عند السؤال هو أمر مشروع ومستحب باتفاق الجميع، وهو ما ينبغي الحرص عليه.








