مقدمة
تعتبر مسألة يمين الطلاق من المسائل الفقهية التي يكثر حولها الجدل، وتثير اهتمام الكثيرين. وفي هذا المقال، سنتناول أحكام هذه المسألة في المذهب المالكي، مع التركيز على الطلاق المعلّق وأنواعه المختلفة. يهدف هذا التحليل إلى توضيح رؤية المالكية في هذه القضية المعقدة، وتقديم فهم شامل لأحكامها.
تفصيل أنواع تعليق الطلاق
يمكن تصنيف يمين الطلاق ضمن مفهوم الطلاق المعلّق، والذي يتخذ شكلين أساسيين:
- التعليق الشرطي: وهو الذي يقصد به الزوج الطلاق فعلاً، ويريده ويقصده، لكنه يربط وقوعه بحدوث شرط معين، أو علامة محددة، أو وقت معلوم، أو حدث من الأحداث. مثال ذلك: أن يقول الرجل لزوجته: “إذا قدم المسافر فأنت طالق”، أو “إذا غربت الشمس فأنت طالق”، أو “إذا دخل شهر رمضان فأنت طالق”.
- التعليق القَسَمي: وهو الذي لا يقصد به الزوج الطلاق أصلاً، ولا ينويه أو يريده، وإنما يهدف إلى تحقيق فعل معين أو الامتناع عنه. فهو لا يقصد إيقاع الطلاق، وإنما يقصد تحقيق الشرط المعلق عليه. مثال ذلك: أن يقول الرجل لزوجته: “إن زرت دار فلان فأنت طالق”، وهو لا يريد طلاقها، وإنما يريد منعها من زيارة ذلك المكان. وهذا النوع هو محور نقاشنا الأساسي.
نظرة المالكية في الطلاق المعلّق بصورتيه
يرى فقهاء المالكية أن الطلاق المعلّق بنوعيه يقع، وهو المذهب المعتمد عندهم والمفتى به. ومع ذلك، فإنهم يكرهون هذا النوع من الطلاق لسببين رئيسيين:
- أولاً: لأن هذا النوع من الطلاق يخالف السنة النبوية الشريفة.
- ثانياً: لأنه قد يقع أثناء حيض المرأة، والطلاق في حالة الحيض يعتبر طلاقاً بدعياً، وهو من الطلاقات المنهي عنها.
تبيان حكم الطلاق المعلق بنوعيه
يتفق جمهور الفقهاء، من أصحاب المذاهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، على أن الطلاق المعلّق بنوعيه يقع. فإذا علّق الرجل الطلاق على شيء ما، سواء كان يقصد الطلاق لذاته، أو لمنع شخص من فعل شيء، أو للحث على فعل، فإن الطلاق يقع. وهذا هو رأي غالبية أهل العلم من الفقهاء وأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم.
القول بعدم الوقوع
خالف ابن حزم الظاهري رأي الفقهاء الأربعة، وذهب إلى أن الطلاق المعلّق لا يقع بنوعيه، فلا يقع الطلاق الشرطي ولا الطلاق القسمي. فمن علّق طلاق زوجته على شيء ما، فإن طلاقه لا يقع عليها.
الطلاق الشرطي دون غيره
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الطلاق الشرطي يقع، بينما الطلاق القَسَمي لا يقع. وقد اجتهد شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة، وأفتى بعدم وقوع الطلاق القَسَمي تحديداً، مع القول بوقوع الطلاق الشرطي. وتبعه في ذلك عدد كبير من العلماء.
وقد أخذ الكثيرون بفتواه، وأفتوا بها، وانتشر هذا القول في الأوساط العلمية، وتبناه جمع من العلماء، وهو المعمول به في قوانين الأحوال الشخصية في محاكم الدول الإسلامية.
واستدل القائلون بهذا الرأي بأن الرجل المطلق لم يقصد الطلاق، ولم يرده، وإنما أراد المنع عن فعل ما، أو الحث على فعل ما.
وهذا النوع من الطلاقات أقرب إلى اليمين منه إلى الطلاق، ويحمل معنى اليمين، لأن الحالف يريد من الحلف المنع عن الفعل، أو الإلزام بالفعل، وهذا المعنى من معاني الحلف والإيمان، وهو داخل فيه، لا داخل في الطلاق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”. (متفق عليه)
وقال تعالى: “لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” (المائدة: 89).
المصادر
- حسين بن عودة العوايشة (1423)،الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة(الطبعة 1)، عمان – الأردن وبيروت – لبنان:المكتبة الإسلامية ، صفحة 262، جزء 5. بتصرّف.
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (1408)،المقدمات الممهدات، بيروت – لبنان:دار الغرب الإسلامي، صفحة 504، جزء 1. بتصرّف.
- أبسيد سابق (1397)،فقه السنة(الطبعة 3)، بيروت – لبنان:دار الكتاب العربي، صفحة 261، جزء 2. بتصرّف.
- أبوهبة الزحيلي،الفقه الإسلامي وأدلته(الطبعة 12)، دمشق سورية: دار الفكر ، صفحة 6975، جزء 9. بتصرّف.
- أبحسام الدين عفانة (1427)،فتاوى يسألونك، القدس – أبو ديس:المكتبة العلمية ودار الطيب للطباعة والنشر، صفحة 151، جزء 1. بتصرّف.
