جدوى الكلمات في الشعر العراقي
يُعرف الشعر العراقي بغناهِ وتنوعهِ، ويُمثل مرآةً تعكسُ روحَ الشعبِ العراقيّ وتُجسّدُ مشاعرهِ، من الحبّ والحُزنِ إلى الفخرِ والتحدّي. نستعرضُ في هذا المقال بعضًا من أجملِ الأشعارِ العراقيةِ التي تُجسّدُ هذه المشاعرَ بشكلٍ جميلٍ وقويّ.
قصيدة حبّ للكلمات
تُجسّدُ هذه القصيدةُ التي ألّفتها الشاعرةُ العراقيةُ نازك الملائكةُ حبّها للكلماتِ وقدرتهاِ علىِ التعبيرِ عنِ مشاعرِ الإنسانِ المختلفةِ.
تقول الشاعرةُ:
فيمَ نخشَى الكلماتْ
وهي أحيانًا أكُُفٌّ من ورودِ
بارداتِ العِطْرِ مرّتْ عذْبةً فوق خدودِ
وهي أحيانًا كؤوسٌ من رحيقٍ مُنْعِشِ
رشَفَتْها، ذاتَ صيفٍ، شَفةٌ في عَطَشِ؟…
فيم نخشى الكلماتْ؟
تُوضّحُ نازك الملائكةُ أنّ الكلماتِ هيّ هبةٌ من اللهِ، ولهاِ قدرةٌ هائلةٌ علىِ التأثيرِ علىِ مشاعرِ الإنسانِ، ولذلك يجبُ أنْ نُقدّرَها ونُحِبّها.
قصيدة أنشودة المطر
تُعتبرُ أنشودةُ المطرِ للشاعرِ العراقيّ بدرِ شاكرِ السيّابِ من أهمّ القصائدِ الشعريةِ التي تُجسّدُ مشاعرَ الحُزنِ والفقدِ والعزلةِ.
تُصوّرُ القصيدةُ المطرَ كرمزٍ للحياةِ، والموتِ، والوحدةِ، وتُعبّرُ عنِ مشاعرِ الشاعرِ تجاهِ وطنهِ العراقِ،
وُحُبّهِ لشعبهِ، وكيفَ أنّهمُ يُعانونَ منِ الجوعِ والفقرِ، ويبحثونَ عنِ الأمانِ والخلاصِ منِ ظروفهمِ القاسيةِ.
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر.
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء… كالأقمار في نهَرْ
يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَركأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ…
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ
كالبحر سرَّح اليدين فوقه
المساء،
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف،
والموت، والميلاد، والظلام، والضياء؛
فتستفيق ملء روحي، رعشة البكاء
ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء
كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر!
كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر…
وكركر الأطفالُ في عرائش الكروم،
ودغدغت صمت العصافير على الشجر
أنشودةُ المطر…مطر…مطر…مطر…
تثاءب المساء، والغيومُ ما تزالْ
تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ.
كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:
بأنَّ أمّه التي أفاق منذ عامْ
فلم يجدها ، ثمَّ حين لجّ في السؤال
قالوا له: “بعد غدٍ تعودْ..”
لا بدَّ أن تعودْ
وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ
في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ
تسفّ من ترابها وتشرب المطر؛
كأن صياداً حزيناً يجمع الشِّباكويلعن المياه والقَدَروينثر الغناء حيث يأفل القمرْ.
مطر..مطر..أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر؟
وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر؟
وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع؟
بلا انتهاء كالدَّم المراق، كالجياع،
كالحبّ، كالأطفال، كالموتى هو المطر!
ومقلتاك بي تطيفان مع المطروعبر أمواج الخليج تمسح البروقْ
سواحلَ العراق بالنجوم والمحار،
كأنها تهمّ بالشروق
فيسحب الليل عليها من دمٍ دثارْ.
أَصيح بالخليج: “يا خليجْ
يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والرّدى!”
فيرجعُ الصّدى
كأنّه النشيجْ:”يا خليجيا واهب المحار والردى..”
أكاد أسمع العراق يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السّهول والجبالْ،
حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها
الرّجالْ
لم تترك الرياح من ثمودْ
في الوادِ من أثر.
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطروأسمع القرى تئنّ، والمهاجرينيصارعون بالمجاذيف وبالقلوع،
عواصف الخليج، والرعود، منشدين:”مطر…مطر…مطر…وفي العراق جوعْ
وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن الشّوان والحجر
رحىً تدور في الحقول.. حولها بشر
مطر…مطر…مطر…
وكم ذرفنا ليلة الرحيل، من دموعْ
ثم اعتللنا – خوف أن نلامَ – بالمطر…
مطر…مطر…
ومنذ أنْ كنَّا صغاراً، كانت السماء
تغيمُ في الشتاء
ويهطل المطر،
وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ.
مطر…مطر…مطر…
في كل قطرة من المطرحمراءُ أو صفراء من أجنَّة الزَّهَرْ.
وكلّ دمعةٍ من الجياع والعراة
وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسم جديد
أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة!
مطر…مطر…مطر…
سيُعشبُ العراق بالمطر…”
أصيح بالخليج: “يا خليج..يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!”
فيرجع الصدى
كأنَّه النشيج:”يا خليجيا واهب المحار والردى.”
وينثر الخليج من هِباته الكثارْ،
على الرمال، رغوه الأُجاجَ، والمحار
وما تبقّى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ظلّ يشرب الردى
من لجَّة الخليج والقرار،
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرَّحيقْ
من زهرة يربُّها الفرات بالنَّدى.
وأسمع الصدى
يرنّ في الخليج
“مطر..مطر..مطر..في كلّ قطرة من المطرْ
حمراء أو صفراء من أجنَّةِ الزَّهَرْ.
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة.”
ويهطل المطرْ…..
عُمْرُنا نحنُ نذرناهُ صلاةْ
فلمن سوف نصلّيها… لغير الكلماتْ؟
قصيدة سراب
تُعبّرُ قصيدةُ سرابِ عنِ الشعورِ باليأسِ والخذلانِ، وتُصوّرُ الحياةَ وكأنّها سرابٌ يُحِدّنا ويُوهمُنا بالأملِ الذي لا يُوجدُ إلاّ في خيالِنا.
يُعبّرُ السيّابُ عنِ الشعورِ باليأسِ من خلالِ استخدامهِ للكلماتِ التي تُشيرُ إلىِ الفناءِ والضياعِ، مثلَ: “بقايا من القافلة”، “طريق الفناء”، “ظلال على صفحة باردة”، “الهاوية”.
بقايا من القافلة
تنير لها نجمة آفلة
طريق الفناء
وتؤنسها بالغناء
شفاه ظماءتها
ويل مرسومة في السراب
تمزّق عنها النقابعلى نظرة ذاهلة
وشوقي
ذيب الحدود…
ظلال على صفحة باردة
تحركها قبضة ماردة
وتدفعها غنوة باكية
إلى الهاوية.
ظلال على سلم من لهيب
رمى في الفراغ الرهيب
مراتبة البالية
وأرخى على الهاوية
قناع الوجود
سنّمضي.. ويبقى السراب
وظل الشفاه الظماء
يهوم خلف النقاب
وتمشي الظلال البطاء
على وقع أقدامك العارية
إلى ظلمة الهاوية
وننسى على قمة السلمهوانا.. فلا تحلم
بأنا نعود!
قصيدة أبو العلاء المعري
تُعتبرُ قصيدةُ أبو العلاءِ المعريّ للشاعرِ العراقيّ محمدِ مهديّ الجواهريّ من أهمّ القصائدِ التي تُجسّدُ روحَ الفخرِ والتحدّي، وتُعبّرُ عنِ قوةِ الشخصيةِ العراقيةِ.
تُصوّرُ القصيدةُ أبو العلاءِ المعريّ كرمزٍ للشجاعةِ والثباتِ، وكيفَ أنّ الشعوبَ قويةٌ ولهاِ قدرةٌ علىِ تجاوزِ الصعابِ والمُصاعِبِ.
قف بالمعرة وامسح خدها التربا
واستوح من طوّقالدنيابما وهبا
واستوح من طبب الدنيا بحكمته
ومن على جرحها من روحه سكبا
وسائل الحفرة المرموق جانبها
هل تبتغي مطعماً أو ترتجي طلبا؟
يا برج مفخرة الأجداث لا تهني
أنّ لم تكوني لأبراج السما قطبافكل نجم تمنى في قرارته
أنه بشعاع منك قدجُذب
تُجسّدُ قصيدةُ أبو العلاءِ المعريّ روحَ الشعبِ العراقيّ، وتُبرزُ قدرتهِ علىِ التغلبِ علىِ الصعابِ، وتُلهمُنا بالصبرِ والثباتِ في مواجهةِ التحدّياتِ.
